بين صحراءٍ ممتدة اعتادت أن تكون ممراً للخطر، ودولةٍ قررت أن تُسدّ منافذ الفوضى بإرادةٍ سيادية واضحة، يقف مشروع الجدار الخرساني الذي تشرع بغداد في إنهائه على طول الحدود مع سوريا كمنعطفٍ أمني وسيادي جديد. هذا المشروع يفتح فصلاً مختلفاً في إدارة الحدود، فصل يدمج بين القرار السياسي والقدرة العسكرية، ويحمل في طيّاته ذاكرة سنوات العسف منذ 2014، مع همّ المستقبل الباحث عن استقرار دائم. فالعراق الذي دفع ثمناً باهظاً حين اخترقت حدوده خلايا «داعش» الزاحفة من دير الزور إلى الموصل، يعلم جيداً أن أدنى ثغرة قد تتحوّل إلى بوابة كارثة، وأن أي رقعة أرض غير مراقبة تصبح سهل استغلال لشبكات تهريب وخلايا نائمة،الأمر هنا لا يقتصر على بناء حاجزٍ مادي؛ فأبعاد المشروع تمتد لتشمل الاقتصاد والإدارة. قرار الاعتماد على مصنع عسكري في ربيعة لإنتاج الكتل الخرسانية بدلاً من التعاقد مع شركات تجارية، خفّض النفقات إلى مستويات تقارب عُشر التكلفة المتوقعة، ما مكّن من إنجاز مساحات واسعة بسرعة أكبر وكلفة أقل، لا سيما في محافظات كنينوى التي شهدت تشييد مئات الكيلومترات بتكلفة محسوبة،هذا التحوّل يعكس تحولاً إدارياً واضحاً: نحو تصنيع محلي، تقليص الهدر، وسيطرة الدولة على سلسلة لوجستية متكاملة من الإنتاج إلى النقل والتركيب الميداني،الرمزية في مكان التنفيذ لا تقل أهمية عن المكوّن العملي؛ فالمساحة التي شهدت أحد أعظم اختراقات الحدود تتحوّل اليوم إلى منصة تظهر قدرة الدولة على سدّ ممَرٍّ كان بوابة للفوضى،إنها رسالة داخلية وخارجية مفادها أن بغداد استخلصت دروس الماضي وتردّ عملياً وليس بالبيانات وحدها. وعلى الصعيد الإقليمي، يأتي الجدار كاستجابة واقعية لتقلبات البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، حيث تتداخل مصالح قوى محلية ودولية داخل التراب السوري المجاور، وتتحول الصحراء إلى فضاء محتمل للتهرّب من سيطرة الدولة،ومع ذلك، ثمة بعد جوهري لا يجوز تغافله: البعد المؤسسي والمجتمعي والبيئي الذي سيقاس عليه نجاح المشروع أو هشاشته على المدى المتوسط، بناء السور وحده لا يكفي إن لم يصاحبه إطار حكم وإدارة متكامل يربط التحصين المادي بأنظمة معلومات استخباراتية، وتنسيق إقليمي، وبرامج تنموية محلية،على الجدار أن يكون مدخلاً لإعادة تأهيل البنى التحتية في مدن مثل ربيعة والقائم، وفرصة لإطلاق مشاريع تنمية وخلق فرص عمل وإعادة دمج السكان والنازحين، بدلاً من أن يتحول إلى منطقة استثنائية تغذي الانقسام والاحتقان،في نهاية المطاف، الجدار ليس مجرد خط على الخريطة؛ إنه امتحان لقدرة الدولة على تحويل قرار أمني إلى رؤية شاملة تضمن الأمن والعدالة والازدهار لمناطق كانت يوماً ملعباً للفوضى العابرة للحدود،إذا نُفّذ ضمن منظومة مؤسسية تربط الحماية المادية بالتنمية والشفافية والتعاون الإقليمي، فسيكون إنجازاً استراتيجياً يضيق المنافذ أمام الجماعات المتطرفة ويعزّز سيادة الدولة،أما إن بقي بناءً معزولاً دون مؤشرات للحوكمة والصيانة والبيئة الاجتماعية، فستبقى الثغرات قائمة بأشكالٍ جديدة.
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش