في زمن الحرب، لا يتم قصف الأهداف العسكرية فقط، بل يمتد القصف إلى فضاء آخر أكثر خطورة وأقل وضوحًا: فضاء المعلومات. هنا، لا تُقاس الخسائر بعدد الضحايا فقط، بل بمدى تشوه الحقيقة، وتآكل الثقة، وخداع وانزلاق الوعي الجمعي نحو روايات مصنوعة بعناية. في هذا السياق، تتحول الأخبار المزيفة من مجرد خلل إعلامي إلى أداة استراتيجية، تُستخدم بوعي لإعادة تشكيل الإدراك، وتوجيه الرأي العام، وخلق واقع موازٍ وسردية تخدم أهدافًا سياسية وعسكرية.
في أي تصعيد بين قوى كبرى، كما في التوترات أو المواجهات والصراع الصهيوأمريكي ضد إيران وتداعياته على المنطقة، تتكاثر الروايات المتضاربة بوتيرة تفوق سرعة الأحداث نفسها. يُعلن طرف عن "ضربة نوعية" تستهدف منشآت حساسة، بينما ينفي الطرف الآخر وقوعها أصلًا، أو يقلل من تأثيرها. تنتشر مقاطع مصورة على أنها توثق لحظات حاسمة، ثم يتبيّن لاحقًا أنها قديمة أو مأخوذة من نزاعات أخرى، أُعيد توظيفها في سياق جديد لإثارة الانفعال وتعزيز سردية بعينها.
آليات صناعة التضليل
الأخبار المزيفة في الحروب لا تُصنع اعتباطًا؛ بل تُبنى وفق منظومة متكاملة من الأدوات:
- الانتقائية المتعمدة: عرض جزء من الحقيقة وإخفاء سياقها الكامل، بما يخلق انطباعًا مضللًا دون اللجوء إلى الكذب الصريح.
- إعادة تدوير المحتوى: استخدام صور أو فيديوهات قديمة وإلباسها ثوب الحدث الراهن، مستفيدين من سرعة التداول وضعف التحقق.
- التضخيم والتقليل: المبالغة في حجم الخسائر أو الإنجازات، أو التقليل منها، وفقًا لما يخدم الرسالة المراد إيصالها.
- الاعتماد على “مصادر مجهولة”: صياغات فضفاضة مثل “مصادر مطلعة” أو “تقارير غير مؤكدة”، تمنح الخبر مظهرًا من المصداقية دون إمكانية التحقق.
في هذا المشهد المعقد وفي ظل التعتيم الإعلامي الشديد من أطراف الصراع، تصبح الحقيقة مجزأة، ويُترك المتلقي أمام سيل من المعلومات المتناقضة، عاجزًا عن التمييز بين ما هو موثوق وما هو مُفبرك.
أمثلة دالة من بيئة الصراع
من الأمثلة التي تتكرر في مثل هذه الأزمات، تداول أخبار عن إسقاط طائرات أو استهداف قواعد عسكرية، مدعومة بصور أو مقاطع قصيرة. بعد التدقيق، يتضح أن بعضها يعود لتدريبات عسكرية قديمة، أو لحوادث في مناطق أخرى. كذلك تنتشر خرائط مزعومة تُظهر “تقدمًا ميدانيًا” أو “توسعًا في نطاق الضربات”، بينما تكون هذه الخرائط معدّة لأغراض تحليلية سابقة أو حتى مفبركة بالكامل.
وفي أحيان أخرى، يتم تضخيم تصريحات لمسؤولين أو اقتطاعها من سياقها، لتبدو وكأنها إعلان حرب شامل، بينما هي في أصلها جزء من خطاب سياسي أو رد دبلوماسي محدود.
الأثر العميق على الوعي
لا تقف خطورة الأخبار المزيفة عند حدود التضليل اللحظي، بل تمتد إلى آثار أعمق:
- تآكل الثقة بالإعلام: عندما يكتشف الجمهور تكرار الأخطاء أو التلاعب، يبدأ بفقدان الثقة ليس فقط في الوسائل المضللة، بل في الإعلام ككل، بما في ذلك المؤسسات المهنية.
- استقطاب حاد في الرأي العام: الأخبار المصممة لخدمة رواية معينة تدفع الجمهور إلى التمترس خلف مواقف متصلبة، ما يعمق الانقسام ويصعب الوصول إلى فهم مشترك للواقع.
- إرباك صناع القرار: في بيئة مشبعة بالمعلومات غير الدقيقة، قد تتأثر التقديرات السياسية والعسكرية، خاصة عندما تتسرب هذه الأخبار إلى دوائر أوسع دون تدقيق كافٍ.
- تحويل الجمهور إلى طرف في الصراع: من خلال التفاعل والمشاركة، يصبح المتلقي نفسه أداة لنشر الروايات، دون أن يدرك دوره في إعادة إنتاج التضليل.
معضلة السبق والمصداقية
تواجه المؤسسات الإعلامية اليوم معادلة معقدة: السبق الصحفي من جهة، والتحقق الصارم من جهة أخرى. في زمن الحروب، تميل الكفة أحيانًا نحو السرعة، ما يفتح الباب أمام تمرير معلومات غير دقيقة. ومع تصاعد دور المنصات الرقمية، لم يعد الإعلام التقليدي وحده في ساحة التأثير، بل ينافسه أفراد وحسابات قد لا تخضع لأي معايير مهنية.
هنا، تتجلى الحاجة إلى إعادة تعريف دور الإعلامي: ليس كناقل للحدث فقط، بل كحارس للحقيقة، يمارس الشك المنهجي، ويتحقق قبل النشر، ويُصحح عند الخطأ بشفافية.
نحو وعي إعلامي أكثر صلابة
في مواجهة هذا الواقع، لا يكفي تطوير الأدوات التقنية لكشف التزييف، بل لا بد من تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور. فالمتلقي الواعي هو خط الدفاع الأول ضد التضليل. ويبدأ ذلك بطرح أسئلة بسيطة: ما مصدر الخبر؟ هل توجد مصادر أخرى تؤكده؟ هل يتسق مع السياق العام أم يبدو شاذًا ومثيرًا للانفعال؟
في زمن الحروب، قد لا تكون الحقيقة غائبة، لكنها غالبًا ما تكون محاصرة بين روايات متنافسة. ومن هنا، يصبح السعي إليها فعلًا مقاومًا بحد ذاته، يحفظ للعقل توازنه، وللإعلام دوره، وللمجتمع قدرته على الفهم بعيدًا عن التضليل والتزييف.
التعليقات