كيف تُبنى منظومة تصنع الأثر… ولا تكتفي بنيّته؟

د. محمود المنير

من خلال خبرتي وتجربتي المهنية في إحدى مؤسسات العمل الخيري العريقة والكبيرة التي تضئ دائرة إشعاعها في ميادين العمل الخيري والإغاثي في أكثر من 40 دولة أستطيع القول إن الأثر الاجتماعي المستدام لا يولد من الاندفاع، ولا من المبادرات المعزولة، ولا من الحماسة الأخلاقية وحدها. إنه نتاج منظومة تُفهم قبل أن تُدار، وتُصمَّم قبل أن تُموَّل. من يظن أن برنامجًا واحدًا أو جهة واحدة قادرة على صناعة أثر طويل المدى، يخلط بين الفعل والنتيجة، وبين الرغبة والقوة.

السؤال الحقيقي ليس: كيف نطلق مبادرة؟

بل: كيف نبني بنية قادرة على حماية الأثر، وتغذيته، وتوسيعه دون أن ينهار عند أول اختبار؟

كثير من المبادرات تبدأ بوهجٍ لافت، ثم تخفت. ليس لأنها كانت خاطئة، بل لأنها وُضعت في فراغ. فالفكرة – مهما كانت قوية – إذا لم تُحَط بمنظومة تحميها من الاستنزاف، ستتآكل ببطء. التاريخ، في التنمية كما في السياسة، لا يكافئ الأفكار وحدها، بل يكافئ البُنى التي تسمح لها بالاستمرار.

المنظومة الداعمة للأثر ليست مؤسسة واحدة ولا قرارًا واحدًا، بل شبكة قوى تعمل في تناغم دقيق. سياسات تفتح المسار ولا تعرقله، تمويل يرتبط بالنتائج لا بالأنشطة، بناء قدرات لا يكتفي بالتدريب، بل يصنع الجاهزية، شراكات توزّع النفوذ بوعي، وقياس أثر يضبط الاتجاه باستمرار. أي خلل في أحد هذه العناصر يُضعف البنية كاملة، مهما بدا باقيها متماسكًا.

في هذه المعادلة العصبة، يتغير معنى التمويل الاجتماعي والعمل الخيري الذي من المفترض أن يبنى على تقدير احتياج حقيقي يخدم الفئات الأشد احتياجاً. المال هنا ليس محركًا، بل أداة توجيه. من يضخ الموارد دون ربطها بالنتائج، لا يصنع أثرًا، بل يؤجل الفشل. لذلك يتجه العالم نحو الاستثمار ذي الأثر، والتمويل المختلط، والمنح المشروطة بمؤشرات واضحة. هذا التحول ليس تقنيًا، بل ذهنيًا وتصحيح لمسار الانفاق في العمل الخيري: انتقال من تمويل الأنشطة إلى تمويل المسارات. ومن يدرك هذا، يربح الكفاءة والاستدامة والمساءلة في آن واحد.

أما الحاضنات والمسرّعات، فقيمتها الحقيقية لا تُقاس بعدد البرامج ولا بساعات التدريب. قوتها تكمن في دورها كوسيط استراتيجي: تبني الجسور، تقلل العزلة، وتحوّل الفكرة من تجربة محدودة إلى نموذج قابل للتوسع. الحاضنة الفاعلة لا تُكثر الكلام، بل تختصر الطريق.

وكثرة الأنشطة لا تعني تحقق التغيير. فقياس المخرجات قد يعكس حجم الجهد المبذول، لكنه لا يوضح ما إذا كان الواقع قد تغيّر فعليًا. الأثر وحده هو ما يجيب عن هذا السؤال.

عندما لا يُفرّق بين المخرجات والنتائج والأثر، تقع المبادرات في فخ النشاط؛ تقارير ممتلئة وأثر غير واضح. في هذه الحالة، يصبح العمل الاجتماعي والخيري تكلفة تشغيلية أكثر منه استثمارًا تنمويًا.

ولا منظومة دون شراكات متعددة القطاعات. التعقيد الاجتماعي لا يُحمل بيدٍ واحدة. القطاع العام يضبط الاتجاه ويضع القواعد، القطاع الخاص يوسّع النطاق ويرفع الكفاءة، والقطاع غير الربحي يحافظ على الاتصال بالاحتياج الحقيقي. حين تُفهم هذه الأدوار بوضوح، يقل التكرار، ويتضاعف الأثر، وتتحول الشراكة من مجاملة إلى قوة.

وفي قلب كل ذلك، يقف قياس الأثر. لا بوصفه تقريرًا ختاميًا، بل كبوصلة دائمة. القياس الذي يأتي بعد التنفيذ فقط، يأتي متأخرًا. أما القياس الذي يرافق القرار منذ البداية، فهو أداة تعلم وتصحيح وتوجيه. وعندما يصبح القياس لغة مشتركة بين الممول، والمنفذ، وصانع القرار، يتحول الأثر من فكرة ملهمة إلى واقع يمكن إدارته.

هذا التفكير المنظومي لايزال مفقودا في الجمعيات الخيرية حيث التمكين، والمسؤولية المشتركة، وبناء مشاريع أكثر استدامة. الأثر الاجتماعي هنا ليس هامشًا، بل جزء من معادلة التحول المنشود في العمل الخيري.

سواء كنت رائدًا اجتماعيًا، أو جهة داعمة، أو شريكًا يبحث عن موقعه، فإن فهم المنظومة في ظل الاستدامة والأثر يمنحك قوة نادرة: أن تعرف أين تقف، وكيف تتحرك، ومع من تتكامل.

نحن نؤمن أن الأثر لا يُصنع بالنية وحدها.

بل يُصنع حين تتحول النية إلى بنية،

والبنية إلى ممارسة،

والممارسة إلى قيمة مستدامة.

فالمنظومات ليست شعارًا…

إنها طريقة عمل لمن يريد أن يقود الأثر نحو المستقبل، لا أن يكتفي بالحديث عنه.