فيلم العراب: "وراء كل ثروة ناجحة، جريمة"

أفلام الجريمة والعصابات لا تثير فضولي عادة، ولكن بالطبع فيلم العراب هو استثناء بالنسبة لي، ويكفي أنه يضم مجموعة من عمالقة الممثلين الذين بالطبع أضافوا الكثير من القيمة إلى العمل، فقد كانت اختيارات الممثلين أكثر من ممتازة. فهل تظنون أن ممثلا في هوليوود كان سيتقن دور الأب الروحي أكثر من مارلون براندو؟ أنا شخصيا لا أظن. 

فمرة أخرى، تجعلنا السينما نقع في حب رجال العصابات وشخصيات قد نحكم عليها بأنها شريرة لو صادفناها في حياتنا العادية. ففي خضم صراعات المافيات والعائلات على السلطة والنفوذ والمال، تأخذنا حبكة الفيلم الرائعة والسيناريوهات المتقنة إلى أعماق حياة أولئك الرجال ونستطيع أن نرى الأمور من وجهات نظرهم، فنشعر وكأننا نعذرهم. وعلى الرغم من تميز الفيلم في بعض الجوانب، إلا أنه يشترك مع الكثير من غيره من الأفلام في نقطة أن الفساد هو طريق للثروة، حتى أنها أتت حرفيا على لسان شخصية فيتو كورليوني، وهو الأب الروحي، حيث قال:"وراء كل ثروة ناجحة، جريمة".

وقد تتفق مجموعة كبيرة من الناس مع هذه المقولة، فقد لا يتطلب تحقيق الثروة جريمة بمعناها الحرفي، ولكنها ستتطلب نوعا من أنواع الفساد، كسرقة أو غش أو تجارات غير مشروعة. وهنا عندما أقول ثروة، لا أقصد مجرد ارتياح مالي أو ثروة بسيطة، بل نتكلم عن الثراء الحقيقي. وتلك القناعة تبرمجنا عليها لأنه في الكثير من الأحيان، كانت ترتبط فضائح الفساد والجرائم بأسماء كبار الأثرياء. فتحقيق ثروة كبيرة هو أمر صعب، ولكن الفساد يجعل الطريق مختصرة جدا، والأخلاق تصبح سهلة البيع في وجه مغريات المال.

أما من جانب آخر، فيوجد فئة معارضة لهذه المقولة، فحتى وإن طالت الطريق نحو تحقيق الثروة لأن الإنسان يرفض سلك طرق غير شرعية أو لا أخلاقية، إلا أن صعوبة الطريق أو طولها لا يعني استحالتها. فيوجد أمثلة على أشخاص وصولوا إلى درجات عالية من الثراء دون أن ترتبط أسماؤهم بأي شبهات، ولا يوجد أي ما هو غير منطقي حول نجاحهم، فالذكاء والموهبة والإصرار يمكن أن تصنع ثروة، خاصة في عالمنا حيث أصبحت الموارد التعليمية متاحة للجميع والعالم مفتوح على بعضه البعض. فهذه الفئة التي تؤمن بإمكانية تحقيق ثروة بطرق مشروعة، تعتبر أن أقوال مثل أن الثروات لا تحقق إلا بالفساد، هي مجرد حجج يقنع البعض نفسه به كي يرضى بحياته العادية ولا يسعى لتحقيق المزيد.

فبرأيكم، ما مدى صعوبة تحقيق ثروة بطرق شرعية؟ وهل يوجد أمثلة على أثرياء تؤمنون بنظافة كفهم؟ وهل نفضل أن نربط المال بالفساد كي نريح نفسنا من السعي؟


التعليق السابق

بالطبع، فعندما نحب شخصية شريرة، نحن لا نحبها لشرها، بل لأننا لمسنا الجانب الإنساني منها وتعرفنا على صفاتها الحسنة الأخرى، وهذا دور مهم تلعبه الأفلام والمسلسلات، وهو جعلنا نفهم طبيعتنا البشرية بشكل أفضل ونوقف الأحكام. فالسينما هي أبرز ما جعل الإنسان يدرك أن الشخص قد يقوم بعمل سيئ ولكن هذا لا يعني أنه معدوم من الصفات الحسنة تماما. فلا يمكن أن نقول بأن أفعال شخصية فيتو ليست شريرة في الكثير من الأحيان، ولكن يمكن أن نقول أننا نفهم الأسباب الكامنة وراء تلك الشخصية. ولكن من جهة أخرى، هل تجد أن أفلام مثل العراب تجعل المشاهد بشكل لا واعي يتقل سلوكيات غير أخلاقية في حياتنا الطبيعية؟

 هل تجد أن أفلام مثل العراب تجعل المشاهد بشكل لا واعي يتقل سلوكيات غير أخلاقية في حياتنا الطبيعية؟

قد يحدث التأثيران، الأول أن يتعاطف مع الشخصية بشكل متعمد أو بغير متعمد، فبعض الأفلام ولا أقصد العراب بالخصوص قد يدخل سلوكيات غير أخلاقية في حياتنا الطبيعية كما يحدث حاليًا في السينما المصرية. في نفس الوقت، قد ننظر نظرة عقلانية تجاه الأفلام ونشاهد نهاية تلك السلوكيات الغير أخلاقية كيف كانت ؟ لنأخذ العبرة من قتل المتهم بالرصاص أو فقدانه لعائلته أو الإعدام .

إذا أخذنا Breaking Bad كمثال، فعلى الرغم من حب الجميع لشخصية مستر وايت، لكن لم يلاحظ الكثير النهاية السيئة التي حدثت له نتيجة استمراره في صناعة الميث، فقد فقد عائلته وثروته التي جمعها ومات وحيدًا .

في كثير من الأحيان لا تكون النهاية كفيلة بإصلاح الوضع، فهي جزء صغير من العمل ككل. على الرغم من النجاح الكبير الذي حققه مسلسل breaking bad، وعلى الرقم من تقييم بعض النقاد له على أنه المسلسل الأفضل على الإطلاق، إلا أنني شاهدته ولا أجد له رسالة ذات قيمة. فقد بدأ تلك التجارة بداية لسبب قد يكون مقبول، ونال تعاطفي حينها، ولكن في جزء كبير من المسلسل ظهر أنه بات يفعل ذلك نتيجة طمع وإعجابا بنفسه وحتى النهاية لم تكن كافية للتعويض عن ما زرعته الأجزاء السابقة من تعاطف مع مستر وايت واحترام لشخصيته. كما أذكر شحصية المحامي سول الذي يمكنه إنقاذ أي شخص من أي ورطة، أنا شخصيا لا أحب مثل هذه الشخصيات ولم ينل المسلسل إعجابي.