كتب: د. محمود المنير
في كل دولة، توجد قوتان لا تقوم السياسة من دونهما: المعرفة التي تفسّر الواقع، والقرار الذي يغيّره. لكن في عالمنا العربي، تعيش هاتان القوتان في عزلة متبادلة. الجامعات تنتج آلاف الرسائل العلمية، بينما تُصاغ السياسات في غرف مغلقة لا تسمع صوت البحث، ولا تنتظر نتائجه. ليست المشكلة في ندرة المعرفة، بل في انقطاعها عن مركز الفعل.
الدراسات الأكاديمية – خصوصًا رسائل الماجستير والدكتوراه – تُكتب اليوم كما لو كانت غاية في ذاتها. تُقاس قيمتها بعدد الصفحات، لا بقدرتها على تغيير مسار قرار. يُكافأ الباحث على الالتزام الصارم بالمنهج، لا على اختراق الواقع. وهكذا تتحول المعرفة من أداة قوة إلى أرشيف صامت، يتراكم دون أثر.
المشكلة الأولى بنيوية. الجامعات في معظم الدول العربية صُمّمت لتكون مؤسسات تعليمية، لا بيوت خبرة استراتيجية. الباحث يُدرَّب على مخاطبة لجنة علمية، لا على إقناع صانع قرار. اللغة معقّدة، الإطار نظري، والزمن البحثي طويل، بينما السياسة تتحرك بلغة مختصرة، وتحت ضغط الوقت، وحسابات النفوذ. هنا يفشل الاتصال قبل أن يبدأ.
أما المشكلة الثانية، فهي ثقافة القرار نفسها. كثير من صُنّاع القرار لا يرون في البحث العلمي مصدرًا للقوة، بل عبئًا يقيّد الحركة. المعرفة تطرح أسئلة محرجة، تكشف كلفة القرارات، وتحدّ من حرية المناورة. لذلك يُستعاض عنها بالحدس، أو التجربة الشخصية، أو تقارير داخلية مصممة لتأكيد القناعات لا لاختبارها. في هذه البيئة، لا يُطلب البحث إلا لتبرير قرار اتُخذ سلفًا.
ثم تأتي المشكلة الثالثة: غياب الوسيط. في الأنظمة الناضجة، توجد مراكز تفكير، ووحدات سياسات، ومستشارون يجيدون ترجمة المعرفة الأكاديمية إلى خيارات سياسية واضحة. في عالمنا العربي، هذا الجسر ضعيف أو غائب. الباحث لا يعرف كيف يختصر فكرته دون تشويهها، وصانع القرار لا يملك الصبر ولا الأداة لفهمها.
تداعيات هذه الفجوة عميقة. تُصاغ سياسات دون فهم كافٍ للسياق الاجتماعي، فتفشل أو تُنتج آثارًا جانبية مكلفة. تُهدر الموارد في برامج لا تعالج الجذور. ويتحول البحث العلمي إلى نشاط معزول، يفقد قيمته المجتمعية، بينما يفقد القرار السياسي عمقه واستدامته.
لكن سدّ هذه الفجوة لا يبدأ بإصلاح الباحث وحده، ولا بتغيير صانع القرار فقط. المشكلة في المنظومة. نحتاج إلى إعادة تعريف دور الجامعة بوصفها فاعلًا في صناعة السياسات، لا مصنع شهادات. إلى برامج دراسات عليا تُكافئ الباحث على التأثير، لا على التعقيد. إلى إدخال مهارات تحليل السياسات، وكتابة المذكرات التنفيذية، وفهم منطق السلطة ضمن التكوين الأكاديمي.
وفي المقابل، يحتاج صانع القرار إلى أن يدرك حقيقة أساسية: المعرفة ليست ترفًا، بل أداة سيطرة ناعمة. القرار الذي لا يستند إلى فهم عميق، سيضطر إلى التصحيح المتكرر، أو سيُفرض بالقوة بدل الإقناع. فتح قنوات مؤسسية مع الباحثين، وإنشاء وحدات سياسات داخل الوزارات، وربط التمويل البحثي بالأولويات الوطنية، كلها خطوات تعيد التوازن بين الفكر والفعل.
ينبغي أن ندرك أن القوة لا تكمن في امتلاك المعرفة، بل في القدرة على توظيفها في اللحظة المناسبة. والفجوة بين صُنّاع المعرفة وصُنّاع القرار ليست قدرًا، بل نتيجة اختيارات مؤسسية وثقافية. وحين تُردم هذه الفجوة، لا تصبح السياسة أكثر ذكاءً فقط، بل يصبح البحث العلمي أخيرًا في موقعه الطبيعي: في قلب المعركة على مسار صناعة المستقبل، لا على هامشه.
التعليقات