يقول المادح السوداني عبد الرحيم البرعي رحمه الله:
"أكثر لذكر الموت تلقاه طبك"
جملة قصيرة .. لكنها تختصر فلسفة كاملة في تربية النفس وعلاج أمراضها الخفية.
ذكر الموت لا يُقصد به نشر الكآبة أو الهروب من الحياة .. بل العكس تمامًا .. هو إعادة ترتيب علاقتنا بها. حين يستقر في الوعي أن كل ما نملكه مؤقت .. وأننا عابرون مهما طال المقام .. تخف حدّة التعلّق .. ويهدأ صراع السيطرة .. ويتراجع وهم التملك المطلق.
الإنسان حين ينسى الموت يتضخم داخله الإحساس بالأنا:
يشتد حرصه على المقارنة ..
يستيقظ فيه الحسد ..
يتشبث بما في يده كأنه خُلق ليبقى ..
ويظن أن السيطرة على الآخرين أو على مجريات الأمور تمنحه الأمان.
لكن ذكر الموت يعمل كمرآة صادقة:
يذكّرنا أن ما عند غيرنا ليس انتقاصًا مما عندنا ..
وأن أعمارنا أقصر من أن تُستهلك في الغيرة ..
وأن القلوب أوسع من أن تُحبس في صراعات الامتلاك.
من يذكر الموت يلين طبعه ..
يخف غضبه ..
يتواضع دون تصنّع ..
ويتعلم أن يفرح بالبساطة ..
لأنه يدرك أن النهاية واحدة مهما اختلفت البدايات والطرقات.
لهذا قال البرعي "طبك"…
لأن أمراض القلب: الحسد .. الكبر .. التعلّق المرضي .. وهم الخلود ..
لا يعالجها دواء مادي بقدر ما يعالجها وعيٌ عميق بحقيقة الفناء.
ذكر الموت ليس دعوة لترك العمل .. بل لتطهير النية فيه.
ليس دعوة لاحتقار الدنيا .. بل لوضعها في حجمها الطبيعي.
هو دواء يردّ الروح إلى اتزانها ..
ويعلّم الإنسان أن يعيش… دون أن يتوهم أنه سيبقى.
هل مرّ بكم هذا المعنى من قبل في نصٍّ آخر .. أو قولٍ .. أو تجربة شخصية؟ وأين لامسكم أكثر؟
التعليقات