هذا السؤال لك أيها المؤمن مهما كانت ديانتك، ولكني سأتحدث هنا من وجهة نظر إسلامية كوني من خلفية مسلمة، وأيضًا لأن أغلب الأعضاء هنا مسلمين كما يبدو.
كثيرةٌ هي الآيات والأحاديث التي تتكلم عن فضل الدعاء وأهميته والحث عليه، فهو بالتأكيد واحد من أعمدة الدين الأساسية التي لو سقطت سقط الدين معها برأيي.
بعض الآيات:
"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ".
"وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ".
بعض الأحاديث عن الرسول محمد:
"إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا".
"ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له".
المشكلة أن الدعاء يعتبر وهم بالنسبة لي -عن تجارب شخصية واطّلاع على تجارب آخرين-. فمثلًا إن وضعنا الدعاء في معادلة سنجد أن قيمته تساوي صفر، مثال:
إن ذاكرت ودعيت، ستنجح.
إن ذاكرت ولم تدعو، أيضًا ستنجح.
إن لم تذاكر وكنت تدعو ليلًا ونهارً، فلن تنجح.
كما تلاحظ، الدعاء هنا لا قيمة له!
آخر دعاء دعوته، والذي بعده تركت الإسلام باقتناع، كان "دعاء الطوارئ" كما أسميه، لأني كنت في أمسّ الحاجة للإجابة كحاجة الشخص الذي أصيب بمرض طارئ يستوجب الإسعاف الفوري. استوفيت ما أستطيع من شروط الإجابة وابتعدت عن الموانع، وكنت أدعو الله أيامًا متتالية بأن يهديني ويثبتني على الدين في أقصى مراحل الشك التي وصلت لها، بل أني أقسمت على الله بأعمالي الصالحة مقابل أن يجيب الدعوة، وللأسف لم أجد أي إجابة.
لذلك عزيزي المؤمن لدي عدة أسئلة من فضلك:
هل لك تجربة شخصية واضحة ومحددة استجاب الله فيها دعائك بدون عملك بالأسباب؟ وكيف تأكدت أن الله استجاب؟
كيف يمكنك أن تقنع شخص غير مؤمن، بأن الدعاء فعلًا مستجاب؟ أنا كمثال، أحتاج لدَفعة هداية بسيطة من الله لكي أعود -وبالطبع هو لا يعجز عن إعطائي تلك الدَفعة-، فهل من طريقة تقترحها عليّ أضمن بها إجابة دعائي؟
يختلف كل دعاء عن الآخر، بعض الأدعية إن لم تستجاب سأعطي لها مبررات -كالتي ذكرتها أنت- ولابأس.. لكن بعضها طارئ يستلزم إجابة فورية -كحالتي هنا- طلبت فقط الهداية، لم أطلب شيئًا من أمور الدنيا.. في تلك المرحلة الانتقالية، كلما بحثت وفكرت وقارنت بين آراء الغير مؤمنين وردّ الإسلام عليها كلما ازددت بعدًا عن الدين رغم إخلاصي في الدعاء.. وبُعدي هذا يعني تركي للدين بالتدريج، فكنت أتمنى أن يهديني الله لأن بحثي في ذلك الوقت كان اجتهاد (فعل الأسباب) لمحاولة الوصول للحقيقة.
وللعلم، لا أنكر وجود الله (إله الإسلام) بنسبة 100%، فنفي وجود الشيء مستحيل.. ولكن أميل بنسبة كبيرة لعدم التصديق بوجوده لأني كلما فكرت وبحثت في الإسلام ازداد شعوري بعدم الاقتناع به، وبالتالي عدم الاقتناع بإلهه.
أنت اخترعت قصّة الأدعية الطّارئة وصدّقتها، لا أستطيعُ أن أشرح لك ما حصل فهي تجربتُك الخاصّة وقد يوجدُ شيءٌ ما لم أعلم به ويكون هو سببًا في عدم توفيقك للهداية.
أعتقدُ أنّك لم تفهم الإسلام لأنّك تُعاملهُ من الأسفل إلى الأعلى بدلًا من العكس، ابدأ بفكرة الاحتمالات المُمكنة غير وجود صانع للكون، أخبرني برأيك حول هذا.
ابدأ بفكرة الاحتمالات المُمكنة غير وجود صانع للكون، أخبرني برأيك حول هذا
هذه النقطة تحديدًا بسببها قد أصبح ربوبيًا في المستقبل القريب.. أحاول قدر المستطاع جمع أكبر قدر ممكن من الاحتمالات (كالصدفة مثلًا، أو أن الكون قد أوجد نفسه بنفسه...)، ثم التفكير فيها وشطب ما هو غير منطقي منها حتى يتبقى احتمال واحد (في الغالب سيكون وجود إله صانع للكون، أو مجموعة آلهة)، وبهذا أنتقل للربوبية.
وللعلم، لا أقصد بالربوبية هنا الإيمان بأحد آلهة الأديان، بل الإيمان بالفكرة العامة للإله (كما آمن أينشتاين وأنطوني فلو مثلًا)، ثم بعد ذلك أنتقل لمراحل أخرى من البحث كـ:من هو ذلك الإله؟ وماذا يريد؟ ولماذا نحن؟... إلخ.
طيّب بماذا خرجت إذًا؟ أيُمكنُ أن تكون صُدفةً؟ أتُدركُ أنّ هذا غيرُ ممكنٍ علميًّا؟ كيف قرّر الكونُ أن يوجد نفسهُ بنفسه؟ ألديه وعي؟ أمن المنطقيّ أن يصنع شيءٌ نفسه؟ لا تتّبع هواك، أنت تعلمُ أنّ الاحتمال الممكن الوحيد هو وجود صانع، صحيحٌ أم لا؟
لا تتّبع هواك، أنت تعلمُ أنّ الاحتمال الممكن الوحيد هو وجود صانع، صحيحٌ أم لا؟
لا يا زيد، حتى هذه اللحظة أميل فقط لأن يكون هذا هو الاحتمال الصحيح، وذلك الميل لا يعني الاستسلام لذلك الاحتمال والتصديق به، فبقية الاحتمالات تستحق الاهتمام والمزيد من الوقت، فالمشوار لازال طويلًا بالنسبة لي.
ما الذي يحتاجُ إلى وقت؟ حين تعرفُ أنّ شيئًا ما غيرُ منطقيّ هل تتوقّعُ أنّهُ سيُصبحُ منطقيًّا مع الزّمن؟ العمرُ قصير يا أخي، ماذا لو متّ غدًا لا سمح الله وكان في قرارة نفسك أنّك تعرفُ بوجود إله؟
تلك الأمور تبدو للوهلة الأولى غير منطقية، ولكن إن تعمقنا فيها قد يثبت العكس، فلازلنا نجهل الكثير، والعلم لم يحِط بكل شيء.. وبصراحة لست قلقًا من مصيري بعد الموت، يكفيني شرفًا بأنني اجتهدت وأخلصت النية ولم أتسرّع في اتخاذ أي قرار.. فإن شاء الله هداني وإن لم يشأ فهذه إرادته، وهذه حجتي التي سأقابله بها إن تفاجأت بوجوده يوم القيامة :)
قد يثبت العكس، كما قلت "قد"، حاليًّا هي ليست كذلك، ولنهلكُ لو أنّنا نتّخذُ المعتقدات بناءً على أنّها قد تصبحُ صحيحة، وهل يجوزُ أن تؤمن بخرافةٍ لإنّها "قد" تكون منطقيّةً إن تعمّقنا بها؟ لا يوجدُ شيءٌ اسمُهُ قد، إن كان غير منطقيٍّ فاتركُهُ ببساطة، وجهلنا للكثير لا يعني اتّخاذ هذا الموقف، مثلًا نحنُ لم نكتشف حضارةً حيّةً على المريخ بعد ولكنّنا مثلًا نكتشفُ مركّبات الماء، الجاهلُ يقول: ولكنّهم لم يكتشفوا تلك الحضارة بعد إذًا أنا مُتأكّدٌ من أنّهُ لا توجدُ حياةٌ على المرّيخ! أمّا العالم فيقول: تقدّمنا خُطوةً نحو الاعتقاد بوجود حياةٍ على المرّيخ، الأغلبُ حاليًّا هو وجودُ حياةٍ عليه.
حُجّةُ الاجتهاد خاصّتك لا تنفع، إن كان الواقعُ عكس اعتقادك وعُدت إلى الحياة لتُحاسب فهذا يعني أنّ الدّين الصّحيح كان الإسلام، وحينها تعلمُ أنّ أيّ بشريٍّ في التّاريخ لو اجتهد كفايةً لعرف بصحّة الإسلام لأنّ هذا ما تبيّن لاحقًا، فمن اجتهد ولم يجده لم يجتهد كفايةً أي أنّهُ كان مُتكاسلًا في الواقع يوهمُ نفسهُ بأنّهُ اجتهد أو مُتّبعًا للهوى يتغاضى عن الاجتهاد الحقيقيّ، اللهمّ إلّا أن يكون من الأشخاص الذين يُرجى لهم العُذر، مثل شخصٍ لم يسمع عن الإسلام إلّا من حاقد.
التعليقات