" الزهدُ محض كذبة كبيرة "
قُلت في نفسي إثر رؤيتي لصورة فاضحة لإمام مسجد نشرها له "خليله" بعد أن هجره.
إثر مواقف كثيرة أبصرتُ فكرة أن الزهد كذبة.
الإنسان يمتلك ثلاث جوانب، الفكري، الروحي و الجسدي، و كل جانب من هؤولاء يجب أن يُغَذَّى و يُعتني به من أجل أن يبلغ الإنسان توازنه.
لكن في الواقع دوما ستجد جانبا مهملا أو جانبان ، و هذا يرتبط بالطبع بنوعية التربية و الثقافة و الظروف المعيشية.
و للأسف في واقعنا اليوم أصبح من البديهي جدا أنك ستجد جانب الجسد منبوذا و محضروا، لأن الإنسان في مجتمعاتنا، في عدواة مع جسده.
في عدواة مع "المركبة" التي تحمله عبر الحياة.
و كل مايتعلق بالجسد تتم برمجة العقول منذ صغرها على أنه "فساد" و "قباحة :مشتقة من قبح" أو "عورة".
و هكذا تُكبح أمور الجسد مع العمر تحت بنود و عناوين غوغائية مثل "الزهد".. تُكبح و لكنها طبعا لا تتوقف عن الوجود !
طبعا الرغبة و الشهوة هي من أهم المحفزات الغرائزية التي تُحرك الجسد و لذلك هو مصمم على الرغبة و يحتاجها ليستمر و الشيء الوحيد اللا منطقي في هذا هو أن يشعر الأنسان بالقبح لرغبة طبيعية فيه.
عندما يحترم الإنسان جانبه الجسدي سوف يكون هناك تواصلا بينه و بين الجانب الفكري و الجانب الروحي، حيث يُقدم كل جانب منهم معاييره من أجل أن يضبط الجوانب الثلاثة خطة عمل متناسقة للشخص الذي يحملها -و التي تخصه و تلزمه هو فقط- .
و بهذا التواصل بين كل جوانبه سوف يبلغ الإنسان توازنا #إنسانيا .
و أما إن كُبحت رغبات الإنسان بدعوى تحقيق "الزهد" أو "القداسة" أو "الملائكية" فهاته الرغبات لا تندثر بل الأسوأ أنها تتأجج حد الخروج عن التوازن يوما ما.
الكبت كثيرا ما ينفجر على شكل تطرف، إغتصاب، بيدوفيليا... إلخ لكن أكثر سيناريو يحدث في الواقع اليوم هو الزهد في العلن و عيش الرغبات في السر أو تحت الطاولة كما يُقال.
تجد مجتمعا كاملا من أعظم زُهَّادِه إلى أبسط المُنساقين خلف التيار، الكل يعيش إنفصاما بين التعفف عن رغبات الجسد و الزهد في الدنيا و بين عيش الشهوات و تلبية الرغبات التي ليست عيبا ليتعفف عنه في المقام الأول.
في الواقع الإنسان لا يحتاج أن يكون ملاكا في الضاهر و مكبوتا في باطنه، فليكن الإنسان إنسانا فقط.
إنسانا بشهوته الغريزية و بفكره الخارق و بروحه الإنسانية.
فليكن الإنسان إنسانا.
التعليقات
إن ثقافة ازدراء الجسد واعتبار حاجاته حاجات حيوانية، ليس بالأمر الجديد فالعديد من الفلسفات القديمة كانت تنظر لهذه الحاجات على أنها علل في الإنسان ولا يجوز الانسياق خلفها، وهي شرط للتدين في بعض المذاهب و الأديان، فيحظر على خوري اللاتين الزواج، ويقضي عمره في محاولة نفي جزء منه، من أجل خدمة الرب والعباد، وهو ما يعتبر أمرًا مجحفًا جدًا بحق أي بشري.
لا أرى على الإطلاق أن فلسفة الزهد قادرة على توليد المزيد من الرضا، ولا أعني بذلك الهجوم على أي سلوك أو معتقد، وإنما أعني استبدال مشاعر معيّنة بأخرى. إذا كان الزهد هدفًا من معتقد أو منهد فكري معيّن فهذه ليست المشكلة التي أقصدها، وإنما أرمي إلى الآلية القاسية التي يستبدلها على إثرها العديد من البشر مشاعر الشغف تجاه شيء أو الحرمان منه بمشاعر الزهد، حيث أنه لا يدرك بهذه الآلية أنه يغير خارطته السيكولوجية إلى الأبد، لأن الكبت في هذه الحالة تمامًا كالضغط والحرارة: قادر على إعادة تشكيل المشكلات والعقد النفسية داخل الإنسان بطريقة مشوّهة إلى أبعد حد.
مهلاً إن الإنسان لم يخلق ليقضي عمره بالصلاة فقط، فالله الذي خلقنا لم يطلب منا تجاهل كل الطبائع الفطرية التي أوجدها لنا في أجسادنا وكبحها تماماً حتى يتولد ذلك الكبت الذي ينتظر لحظة لينفجر فيها، ولم يطلب منا أن نكون ملائكة فالبشر بطبيعتهم يخطئون ويرتكبون الحماقات وهذا هو الأصل، وإلا لما شُرِّعت التوبة والاستغفار وجعلها الله سبباً يفرح به، الدين توازن وقد راعى احتياجاتنا ونقصنا وضعفنا البشري الطبيعي، وإنني أتعجب ممن يغلق على نفسه أبواب الحياة المفتوحة ويسمي نفسه زاهداً ويهمل هذا الجسد الذي هو أمانة لديه من عند الله، وقد أنكر رسولنا في الحديث على المغالين في الدين .
أيضاً إن الهالة القدسية التي يحيط بها الناس الأئمة والشيوخ، ليست إلا صورة وهمية هم اخترعوها وليست من الواقع في شيء، بل انها تناقض الطبيعة البشرية وتفرض على هذا الإمام أو الشيخ ارتداء ثوب الملاك كلما خرج إلى الناس وهو ليس كذلك .
هذه حاجات وضروريات والعاقل لايزهد في الضروريات؛ بل في الكماليات التي لايضره تركها ولاينفعه الأخذ بها.
وبالتأكيد هذا المفهوم لايعتقد به مسلم اطلاقا ولايلتفت لكل ما يُكتب في هذا الجانب فلديه خارطة واضحة من خالقه عز وجل .
- فالاسلام اهتم بالعقل ( الفكر)فحث على العلم والقراءة حماية له من الهرطقات والخزعبلات .
- واهتم بالروح فوصف الغذاء ( التعبد الصافي لله وحده) لها طوال اليوم بما يحقق التوازن ورؤية الطريق الصحيح .
- واهتم بالجسد فبين له كيف يهتم به نظافة وغذاءا وتلبية حاجاته الغريزية .