دخل المعلم يتناقص، ودخل المصمم يصعد، فهل السبب في المجتمع أم في اختيارات الأفراد؟
في زمن تتبدل فيه القيم وتُعاد فيه صياغة معايير النجاح، نرى مشهداً عجيباً: معلم يبذل عمره في تربية العقول، وطبيب يسهر الليالي في إنقاذ الأرواح، بينما يكسب مصمم شعارًا في ساعتين أضعاف ما يجنيه أولئك في عدة أيام، الأمر ليس تقليلاً من قيمة التصميم أو المهن الحديثة، بل هو تساؤل صادق: هل أصبح المقياس الوحيد هو العرض والطلب؟ وهل فقد المجتمع توازنه في تقدير الجهود؟
قد يكون بعض الأفراد اختاروا مسارات لا تدرّ المال، لكن هل نُحملهم وحدهم مسؤولية نظام اقتصادي لا يكافئ التربية والتعليم كما يكافئ الترفيه والتسويق؟ وهل يُعقل أن تُصبح القيمة محصورة في ما يُباع لا فيما يُبنى ويُثمر على المدى البعيد؟
كيف ترون المسألة؟ هل الخلل في اختيارات الأفراد، أم في معايير السوق، أم في نظرة المجتمع؟
الرأسمالية في صيغتها الأكثر نقاء كما اقترحها منظروها الأوئل: كل شيء سلعة, تباع وتشترى في سوق حر بلا أي قيد وفيه تحدد قيمة الشيء بمقدار العرض والطلب. العرض والطلب يأتي من الانسان وكيف يري قيمة ما يعرضه أو ما يطلبة. فكما ترى, لا تملك اﻷشياء قيمة مطلقة و إنما يكسبها إياها الإنسان.
أن تعمل, فإنك تبيع جهدك ووقتك مقابل مقدار من المال وهو كما ترى فهذه هي "القيمة الممنوحة" لعملك. ولكن هل تتناسب تلك القيمة مع مقدارالجهد المبذول أو حتى القيمة المعنوية لعملك؟ يقدم غيرك وقته ويعمل بمقابل أقل, يعتمد أصحاب العمل على اﻹمداد الغير منتهي من البشر المستعدون أن يقدموا ماتقدمه بنصف "القيمة" أو أقل. فالعرض يفوق الطلب بأضعاف قيمة عملك محددة مسبقا ولا تملك أن تضع قيمة لعملك لأنك لا تملكه.
يكره الإنسان شراء الدواء ولكنه لا يتورع عند إنفاق كل مايملك على الطعام والملذات. اذا اردت ان تتعلم مهارة ما وكانت قيمتها 1000 مثلا فإنك ستفكر ألف مرة قبل أن تشتريها أما إذا كانت قيمة وجبة لذيذة أو إشتراك netflix مثلا فإنك لن تفكر كثيرا كما فعلت في المرة الأولى. أولويات المجتمع اﻹستهلاكي الذي وجدنا أنفسنا فيه وتم غسل أدمغتنا على قيمه وإطعامنا إياها بالملعقة منذ اليوم الأول. أسقط هذا المثال على أي شيء, ستراه منطبق تماما.
لماذا قيمة بعض الأعمال أعلى من أخرى؟ ببساطة لأنها تدر أرباحا أكثر.
انظر إلى المجتمع الحالي, يدفعك لتحصل على الشهادات "ذات القيمة" كما يراها طبعا, ومن هنا تدرك حقيقة الإزدواجية التي يعيشها كل يوم. الإزدواجية التي تعايش معها وكأنها شيئ عادي كالمأكل والمشرب. ازدواجية في كل شيء. يمجد المجتمع التعليم ولكنه لا يري أن له قيمة, فقيمتة في الشهادة التي يمكن شراؤها بسهولة. وبالتبعية أصبح المعلم بلا قيمة. يدفعك المجتمع لتصبح طبيب ليعود ويحط من قدرك ظنا منه أنك ستقدم عملك بالمجان وإلا أصبحت مصاص دماء.
قد يبدو لك أن المجتمع هو الجاني على أفراده وهو كذلك, ولكن المجتمع ككيان أيضا ضحية أفعالة فيضعه ذلك على منحدر زلق والطريق الوحيد هو إلى الأسفل.
التعليقات