العيد يأتي، كما في كل عام، محملا بالروائح القديمة: رائحة الكعك في الصباح، ضحكة الأم وهي تعد ملابس العيد، التكبيرات التي تملأ البيت بشيء من الطمأنينة, ثم ذبح الاضاحي.
العيد، ذلك الفاصل الإنساني الذي يُفترض أن نعلّق فيه انشغالاتنا، نغلق الحاسوب، ونفتح قلوبنا.
لكن ماذا لو لم تُغلق النوافذ؟
ماذا لو بقي المشروع مفتوحا، والموعد قريب، والبريد ممتلئ برسائل لا تنتظر العيد لترد؟
هذا هو حال المستقل في زمن "العمل بلا حدود". لا وطن للمهنة، ولا توقيت للمهمة. يعمل مع عميل في أوروبا يحتفل بالكريسماس، وآخر في أمريكا ينهي مشروعه في الهالوين، وثالث لا يعنيه من تقاليدك شيء. هو فقط يريد النتيجة، في الموعد.
وهنا، لا يصبح الأمر صراعا بين العيد والعمل، بل توازنا دقيقا بين الاثنين.
العمل الحر لا يجبرك على ترك العيد، لكنه يطلب منك أن تديره بحكمة.
قد تجد نفسك تراجع ملفا سريعا قبل الإفطار، أو ترد على رسالة قبل زيارة الأقارب. لكنه يمنحك بالمقابل ما هو أثمن: مرونة أن تعمل من أي مكان، وفي أي وقت، وأن تستمر دخلك حتى في أيام الراحة.
فمن خلال رحلتك مع العمل الحر :كيف تدير مشاريع قيد التنفيذ خلال عطلة عيد الأضحى؟
أجازة؟ ما معنى كلمة أجازة أصلًا؟
أنا طبيب، وعندي شيفتات 12 ساعة في أول وثاني وثالث يوم العيد، أتعامل فيها مع الطوارئ، مع الحالات الحرجة، مع بكاء الأمهات وصراخ الأطفال. وبجانب ذلك، أعمل كمستقل. لدي عملاء ينتظرون تسليم مشاريع لا تعرف معنى "تكبيرات العيد" ولا تفرق بين سبت أو جمعة أو وقفة عرفات.
فكرة أن العيد "فاصل إنساني نعلّق فيه انشغالاتنا" تبدو مثالية جدًا لمن يستطيع إغلاق الحاسوب أصلًا. أما نحن، فالحاسوب يرافقنا حتى في غرفة الاستراحة. البريد لا ينتظر، ولا العميل. الأضحيات تُذبح في الخارج، ونحن نُذبح من الداخل بين ضغط الشيفت ومواعيد التسليم.
أصبح الحديث عن التوازن بين العمل والعيد – في عالم بلا توقيت ولا حدود – أقرب للفانتازيا منه للواقع. الحقيقة؟ العيد تحول إلى رفاهية. رفاهية لا يملكها الطبيب، ولا المبرمج المستقل، ولا العامل في خدمة عملاء عن بُعد.
لذلك، بدلًا من أن نسأل كيف ندير مشاريعنا في العيد، ربما يجب أن نسأل: كيف لا ندع شعور الذنب يلتهمنا حين لا نستطيع حتى أن نعيّد؟
كلماتك تلامس قلوبًا كثيرة لم تستطع أن تعلّق همومها على شماعة العيد. نعم، هناك من لا يملك رفاهية التوقف، من تستمر مهامه بينما العالم يحتفل. وهناك من يذبح في الداخل، كما قلت، في صمت لا يراه أحد.
لكن دعني أقول لك: أنت لست وحدك. وهذا الجهد، وهذا الصبر، وهذه التضحيات في الخفاء، لا تضيع عند الله، ولا تذهب سُدى.
ربما لا نستطيع أن نعيش العيد كما نحب، لكننا نمنح غيرنا فرصة أن يعيشه بسلام. الطبيب، المستقل، عامل الطوارئ… أنتم من يحفظون الإيقاع خلف الكواليس، من يُبقون العالم قائمًا بينما ينام الجميع مطمئنين.
لا بأس إن تأخر العيد يومًا أو يومين. لا بأس إن جاء على هيئة ابتسامة من مريض، أو رسالة رضا من عميل. لا تجعل الشعور بالذنب يتسلل إليك، لأن ما تفعله ليس تقصيرًا، بل عطاءٌ من نوع مختلف.
كل عام وأنت بخير، وإن تأخرت فرحتك… فهي قادمة، بإذن الله، ولو بعد حين.
التعليقات