منذ أن أصدر روبرت كيوساكي إنجيله المالي "الأب الغني والأب الفقير"، ونحن نعيش تحت وطأة عقدة ذنب جماعية، مفادها أن الوظيفة المستقرة هي مجرد "سباق فئران" مهين، وأن الموظف هو "عبد" عصري يفتقر للذكاء المالي، بينما البطولة المطلقة محجوزة للمستثمر والمغامر.

​لكن، ألم يحن الوقت لنسأل بجرأة: هل كانت نصيحته حكمةً خالدة أم سماً دُس في عقول جيل كامل؟

​لقد أنتج هذا الكتاب جيشاً من الساخطين الذين يذهبون إلى أعمالهم كل صباح بشعور القهر والاحتقار لمصدر رزقهم الوحيد، مطاردين سراب "الحرية المالية" و"الدخل السلبي" دون أن يمتلكوا المهارة أو رأس المال، فانتهى بهم المطاف ساخطين على الواقع، بلا وظيفة يتقنونها ولا ثروة حققوها.

​الحقيقة المرة التي يتجاهلها رواد التنمية البشرية هي أن الحضارة لم تُبنَ فقط بمغامرات المستثمرين، بل قامت أساساً على أكتاف "الأب الفقير" الملتزم؛ ذلك الموظف الذي يبني ويعالج ويدير التروس بانتظام ممل ولكنه حيوي.

إن وصم الاستقرار الوظيفي بـ "عبودية القرن العشرين" هو أكبر خدعة تسويقية انطلت علينا، فبسببها بتنا نشاهد جيلاً يزدري القليل المضمون طمعاً في الكثير الموهوم، والنتيجة الحتمية لهذا الكبرياء الزائف ليست ثراءً فاحشاً كما وعدهم الكتاب، بل هي بطالة مقنعة تتخفى خلف مسميات ريادة الأعمال، وحياة كاملة تُهدر في انتظار ضربة حظ لن تأتي.