هذه السلسة ليست صحية بالمرة، بل إنها ضارة وقد تصيبك بالاكتئاب، ولن تجد فيها ما يسرك، على العكس ستجد فيها كل ما يجعلك تكره الحياة، وسوف تتأكد أن الأسود هو اللون الوحيد في هذا العالم، ومحدثكم صاحب قلب موجوع، أهلكته الغربة، وأنهكته الذنوب، وضاقت عليه جوانبه، فهو الأب الغائب، وهو الزوج المفقود، وهو الأخ الذي راح في طي النسيان.
أما زلت تكمل القراءة، يا لك من بائس، ألم تعي جيداً هذه المقدمة التعيسة، عجيب أمرنا، نقرأ أن التدخين يسبب الموت مع صورة تسبب القيء والإسهال ومع ذلك ندخن، نعلم ان السكر سم طويل المدى، ومع ذلك نأكل الحلوى بشراهة، وكأنه إقبال على الموت، فمرحب بكل ما يُعجل نهاية هذه الحياة.
دعونا لا نخرج عن طور هذه السلسة وننجرف إلى هذا الطريق الضار فيكفي عليك أن تكمل هذا المقال، الذي هو مواقف بين الغباء والسذاجة، كثيرون أخذوا من وقتنا وصحتنا، وخسرنا في المقابل العمر والمال وكذلك الأصدقاء.
كعادتنا في الأرياف في اجازة المدارس من العيب أن تظل في البيت دون عمل، عليك أن تعمل لجلب المال لتساعد في مصاريف العام المقبل، وكذلك كي ينشف عودك وتعتاد حياة الشقاء، ذلك هو الاستعداد لما ستواجه في حياتك القادمة.
كنت ذاهب لصديقي الذي في يسكن في آخر الحارة وكان هناك ميكروباص يغلق الحارة ولا يسمح للمرور إلا لشخص واحد، حيث كان زحام من الشباب الصغير حول الميكروباص، وقفت حتى انتظر دوري في المرور ووجدت هذا الشاب الطويل الذي يرتدي الجلباب ويتكلم والسيجارة في فمه، لا أدري لماذا هذه العادة السيئة، فأنا أكره الذي يتكلم وفي فمه طعام فما بالك بالسيجارة، يحاول الشاب ان يُضفي على نفسه ثوب المَعلم بفتح الميم هناك فرق كبير مين المُعلم والمَعلم كالفرق بين العالِمة بكسر اللام والعالْمة بسكون اللام. ما علينا.
كان هذا الشاب الذي يتكلم وفي فمه سيجارة يجمع الشباب ويحاول تعبئة الميكروباص بكل الأشكال ويتحدث عن مزرعة المشمش الكبيرة على طريق مصر اسكندرية الصحراوي وعن المزايا الكثيرة حيث أن يومية العامل بلغت عشرون جنيهاً !! تذكرت حينها انني كنت أعمل في محل لتنظيف الطيور بثمانية جنيهات في اليوم، لاشك أن عشرين جنيهاً مبلغ كبير ويمكن أن أجني ثروة هائلة، ويكفيني عمل شهر واحد لأتمكن من توفير مصروفات العام الدراسي القادم وكذلك الزي المدرسي مع الحذاء.
ورأيت صديقي يستعد للركوب في الميكروباص ولما رآني نصحني بالانضمام معه، حيث اننا سمعنا عن اليومية الكبيرة كما أن هناك طاهي يُعد لنا الطعام كل يوم ويوجد سكن نظيف وسرير لكل فرد أي أنه لا حجة لك كل شيء كما يقول الكتاب، لا أدري أي كتاب يقصدون ولكنه يبدوا أنه الكتاب المسحور، ذهبت مسرعاً للبيت وجلبت بعض الملابس ووضعتها في كيس بلاستيك غامق، فلا ينبغي لشاب صغير من الأرياف أن يحمل حقيبة ملابس، لا أدري لماذا ولكنها التقاليد تقول كيس بلاستيك غامق !!
في الأخير تم حشرنا في الميكروباص حتى أن بعضهم جلس على أقدام آخرين ونجح هذا الشاب الطويل الذي يتكلم والسيجارة في فمه والدخان يتصاعد منه كعربة بطاطا محترقة في مهمته، سرعان ما انطلق السائق وأخذ الطريق السياحي ومضى أكثر من خمس ساعات ودخلنا في مزرعة كبيرة وظل سائراً لنحو عشر دقائق داخلها حتى وصلنا عند المسكن.
كانت الصدمة الأولى في المسكن الذي هو عبارة عن عيدان من الخيزران الرفيع، إن صح التعبير عشه وحصير من البلاستيك على الأرض، كان هذا هو السكن الرائع، حينها كنت صغيراً مُقبل على الحياة بصدر رحب لا يهم النوم المهم أن هناك عشرون جنيهاً كل يوم، ولكن بعض العاملين بدى عليهم الغضب وحينها جاء دور الشاب الذي يتكلم والسيجارة في فمه محاولاً احتواء غضبهم وكذلك اخماد كل التساؤلات التي بدت على وجوه الآخرين وأخرج أجر يومين لكل عامل، وأمسكت حينها أربعون جنيهاً، ها أنا بدأت في جمع الأموال، وكان معنا جار لنا أكبر منا نصحنا أن نحفظ المال معه لأننا لا نأمن الآخرين ومن خوفنا أن يضيع المال أنا وصديقي أعطينا له الثمانون جنيهاً.
دخل الليل ولم يدخل لوحده كان معه البرد الشديد، وكانت هناك أغطية للنوم أعتقد أنها كانت سجاد في مكان آخر وجاءوا بها هنا لتكون غطاء للعاملين في مزرعة المشمش، كما أنه لا توجد كهرباء، كان الظلام يلتف حولنا وبدأنا في اشعال النار وجاء وقت العشاء، وكانت الطبخة السوداء في انتظارنا مع خبز يبدوا أن أحدهم يحب الجلوس على الخبز فجاءوا به لنا، كنا نأكل دون أن نرى الأكل، نُغمس الخبز ونُمسك بأي شيء في داخل الإناء ولا يحق لك ان تسأل ما هذا الذي أمسكت به، سنتخطى هذه اللحظة دون الخوض في تفاصيل الإناء وما بداخله حيث أنني أصاب بتقلصات في معدتي.
كانت ليلة طويلة جداً وشديدة البرودة ورائحة الغطاء الكريهة التي ملأت الأنف والرئة وصوت الذئاب القريب والكلاب التي ترد عليها دون توقف طوال الليل، ومع طلوع الفجر بدأ الجميع في الاستيقاظ ولن أحدثكم على الخلاء وما فيه فإن ذلك يُحدث لي تقلصات في معدتي كلما تذكرته، سنتخطى هذا الأمر أيضاً، جاء الفطور وهو الفول بلا شك، والفرق بينه وبين الطبخة السوداء أننا رأينا الفول بأعيننا وتأكدنا أنه فول، حيث أنه كان غارق في مياه سوداء، لا أدري لماذا المياه سوداء ولا أحب أن أعرف كذلك، وكان مع الفول الخبز وذلك الشخص الذي لا ينفك عن الجلوس عليه حيث كان متلبد ويابس، فلنتخطى أيضاً الفطور يكفينا تقلبات وتقلصات في المعدة.
بدأنا في الانتشار وكان الموضوع بسيط كل اثنين يحملون صندوق من البلاستيك ويقطفون المشمش من الشجر ويضعونه في الصندوق، لم يكن الأمر يحتاج إلى تعليم أو مهارة، طالما أنك تملك ذراعين وأصابعك موجودة بأماكنها وتعمل جيداً يكون الأمر سهل.
كانت المزرعة كبيرة جداً وكنا نأكل المشمش بكميات أكبر محاولين عدم الاعتماد على الطبخة والسوداء والفول، ومر الأسبوع الأول بأيامه الحارة نهاراً والباردة ليلاً مع الفول صباحاً والطبخة السوداء ليلاً وفي صباح الأسبوع الثاني اختفى عامل كان معنا، نعرفه هو من قريتنا لكن ليس من حارتنا، وأخبرونا أنه لم يحتمل وغادر المزرعة، لم يعنينا الأمر كثيراً فلتصحبه السلامة، ولكن الجاحد لم يغادر وحيداً وحاول أن يجمع ما يؤنس وحدته فغادر وبحوزته مائه وعشرون جنيهاً سرقها من جارنا الأكبر سناً، حينها اعتصر الألم قلبي، ذلك اللعين لم يُشفق على حالنا وما نحن فيه من الشقاء، سنتخطى هذا الأمر أيضاً يكفيني تقلصات في المعدة.
قضينا الأسبوع الثاني ما بين حر وبرد ومشمش وطبخة سوداء وفول وخبز يجلسون عليه، وجاءت الأخبار التعيسة أن صاحب المزرعة قد أفلس وأنه تعثر في بيع المشمش، وبدأ الجميع في التوقف عن العمل وبدوا بعمل إضراب جماعي، وأقسموا أنه لن يجمعوا أي حبة مشمش إلا بعد الحصول على أجر الأربعة عشر يوماً، ولكن لا مجيب.
لن أخفيك أني تحطمت نفسياً لقد شحب وجهي في هذين الأسبوعين وخسرت الكثير من وزني، كما أن معدتي كانت كالقِربة التي يُضَخ فيها السمن، وإن كنت لا تدري ما هي القربة فهذا لا يعنيني لن أشرح لك ما هي القربة، ولنتخطى هذا الأمر أيضاً، لأني بدأت أشعر بتقلصات في معدتي.
قام احدهم بالاتصال على سائق ميكروباص ليعود بنا إلى قريتنا حاملين الخيبة والخسارة، لقد أكلنا الكثير من المشمش وأربعة عشر وجبة طبخة سوداء وأربعة عشر وجبة فول وكذلك أربعة عشر يوماً من الخبز الذي يجلسون عليه.
تذكرت بعدها مقولة في المشمش التي تُقال حين يتم التأكيد أنك لن تحصل على شيء، وهكذا كنت في قلب الحدث وأنا في غفلة من أمري، واختفى الشاب الذي يتحدث والسيجارة في فمه، يُقال أنه ذهب إلى القاهرة خوفاً من مطالبته بأجر الأربعة عشر يوماً، وفي الأخير كانت تجربة سوداء بكل ما فيها من تعب وخوف وجوع وخسارة، ولكنها أربعة عشر يوماً وضعتها في سيرتي الذاتية شاهدة على أول حالة من النصب أقع فيها، كشاب صغير لم يتخطى وقتها الثالثة عشر من عمره.
وكانت هذه هي أول سلسلة الغباء والسذاجة حيث أنها تطول وتطول، وفي كل حلقة من حلقاتها آلام وأحزان وخسارة كانت تكسرني حينها وأحاول جاهداً أن أتخطاها لأنكسر في الحلقة التي تليها ولا حول ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين.
التعليقات