كانت لي جارة تعاني من زوجها سنوات طويلة. كانت تخبرني بكل شيء: كيف يرفع صوته عليها، وكيف يهينها أمام أولادها، وكيف يمنعها من زيارة أهلها. وفي كل مرة كنت أسألها: "لماذا تبقين؟" كانت ترد بجملة حفظتها عن ظهر قلب: "سأصبر، والله مع الصابرين". كانت تؤمن أن صبرها هذا سيُكتب له أجر، وأنه دليل على قوتها وتحملها. حتى في يوم دخلت المستشفى بسبب التوتر والضغط النفسي، وكان الطبيب يقول إن حالتها نتيجة سنوات من الكبت.

في المقابل، رأيت امرأة أخرى في نفس الحي، كانت تتعرض لإهانات من زوجها. لكنها في أول مرة تجاوز فيها حدها، حزمت حقيبتها وذهبت إلى بيت أهلها، ورفضت العودة إلا بضمانات واضحة واحترام حقيقي. قال عنها الناس: "قوية، عنيدة، مبالغ فيها". لكنها اليوم تعيش بكرامة، وتحترم نفسها، وتعرف أن قيمتها ليست في صبرها على الذل.

هنا أدركت أن مجتمعنا يخلط بين الصبر والضعف. يعلمنا أن نتحمل الظلم باسم الأخلاق، ثم يفاجأ عندما ننهار أو نمرض. الصبر الجميل ليس أن تبقى في مكان يؤذيك، بل أن تتحمل عناء التغيير. الصبر الحقيقي هو أن تتحمل وطأة الرحيل، لا وطأة البقاء.

ربما نحن من نحتاج إلى إعادة تعريف الفضيلة. فهل نستمر في تزيين الصبر على الظلم، أم نجرؤ على القول إن السكوت عن الباطل ليس صبرا، بل هو جبن متحضر