القمه2
بعد شهرين ونصف، عدت إلى الجبل. لم أكن أبحث عن شيءٍ بعينه، لكن عيني سبقتاني إلى القمة، حيث كانت تلك النبتة لا تزال واقفة، كأنها آخر جملةٍ كتبها الربيع قبل أن يغادر. لم تعد خضراء، بل اصفرّ لونها حتى غدت هيكلًا هشًا يلوّح للريح، ومع ذلك لم تنحنِ، ولم تغادر مكانها.
أما النباتات التي ازدهرت يومًا في الظل، واستمدت حياتها من السيول، فقد اختفت كأنها لم تكن. تركت خلفها فراغًا لا يروي حكاية، ولا يدل على مرور حياة.
حينها خطر لي أن القمم لا تمنح أصحابها عمرًا أطول، بل تمنحهم أثرًا أبقى. قد تذبل في الأعلى، لكنك تظل مرئيًا، شاهدًا على رحلة الصعود. أما من عاش حيث الأمان، فقد يطول بقاؤه، لكنه يذوب في المشهد حتى لا يعود أحد يلتفت إلى غيابه.
الخوف من الصعود ليس خوفًا من السقوط، بل خوفٌ من اكتشاف ذواتنا خارج الحدود التي رسمها الآخرون لنا. وكلما تقدم بنا العمر، تكاثرت الأصوات التي تهمس: لا تصعد... لا تخاطر... ابقَ حيث اعتاد الناس أن يبقوا. حتى نظن أن السلامة فضيلة، بينما تكون، في كثير من الأحيان، اسمًا آخر للحياة المؤجلة.
وفي طفولتنا كنا أكثر حكمة مما نظن. كنا نصعد لأن السماء كانت أقرب إلى أحلامنا من الأرض، نسقط، ثم ننهض، وكأن السقوط لم يكن إلا درسًا صغيرًا في طريق الوصول.
وربما ليست القمة مكانًا للسعادة، بل مكانًا للحقيقة. هناك، لا شيء يحميك إلا جذورك، ولا شيء يبقيك إلا قدرتك على مقاومة الريح.
أما السفح، فيعد الجميع بالأمان، لكنه لا يعد أحدًا بالخلود. ففيه تُداس البراعم الصغيرة تحت الأقدام، وتقتلع السيول ما اشتد عوده، ويذوب الجميع في الزحام، حتى يصبحوا جزءًا من الأرض التي مروا فوقها، لا من الذاكرة التي ستتذكرهم.
لذلك، لا أقيس النجاح بمن بقي أكثر، بل بمن ترك أثرًا، ولو كان أصفر اللون، واقفًا على قمة جبل، يعلّم الريح أن الانحناء ليس دائمًا هزيمة، وأن الذبول في المكان الذي اخترته بنفسك، أشرف من اخضرارٍ فرضته عليك الطرق السهلة.
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش