منذ أيام، استوقفتني نبتة وحيدة اعتلت قمة الجبل. لم تكن كغيرها من النباتات التي آثرت مجاري السيول، واستظلت برطوبة الأرض ودفء الوادي، بل اختارت العلو، وكأنها تؤمن أن الاقتراب من السماء غاية تستحق المغامرة.

كانت تتمايل مع كل هبة ريح، فتبدو للناظر كأنها ترقص فرحًا بانفرادها، غير أن المظاهر كثيرًا ما تخدع. فالقمة، وإن أغرت بالنظر البعيد، لا تمنح دائمًا الطمأنينة. هناك، حيث لا ساتر من الرياح، ولا ظل يخفف لهيب الشمس، بدأت أوراقها تصفر، ووهن ساقها شيئًا فشيئًا، بينما بقيت النباتات في السفوح خضراء، يانعة، تتقاسم الماء والهواء، وتنسج مع الأرض حياة أكثر اتزانًا.

عندها أدركت أن القمة ليست مكافأة خالصة، بل امتحان أيضًا. فهي تمنح الاتساع للرؤية، لكنها تضيق على صاحبها سبل الراحة. وكلما ارتفع الكائن، اشتدت عليه الرياح، وكأن الطبيعة تذكّره بأن الارتفاع ليس امتيازًا مجانيًا، بل مسؤولية وثمن.

ولعل الإنسان أكثر الكائنات افتتانًا بالقمم. يقضي عمره صاعدًا، يطارد مكانًا يظنه نهاية الأحلام، فإذا بلغه اكتشف أن الطريق لم ينتهِ، وأن الوحدة هناك أوسع من الأفق نفسه. وربما يعود به ذلك الشعور، من حيث لا يدري، إلى طفولته؛ حين كان يمنح ألعابه الأدوار، ويرسم لها المصائر، ويتوهم أن العالم بأسره يستجيب لإرادته. وما إن يكبر حتى يبحث عن قمة جديدة يعيد عليها الوهم ذاته، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا.

والأغرب أن من يقف في الأسفل لا يكف عن التحديق نحو الأعلى. ليس لأن الجميع يرغب في الصعود، بل لأن النفس البشرية مولعة بمراقبة من بلغ القمة؛ تتأمل نجاحه، وتحصي أخطاءه، وربما تنتظر لحظة تعثره. فالقمة لا ترفع صاحبها عن أنظار الناس، بل تجعله أكثر انكشافًا لهم.

لهذا، ليست الحكمة أن نرفض الصعود، ولا أن نفتتن به، بل أن ندرك أن قيمة الحياة لا تقاس بعلو المكان الذي نقف عليه، وإنما بقدرتنا على أن نظل أحياء من الداخل، مهما ارتفعنا. فكم من شجرة نمت في الوادي فأثمرت، وكم من نبتة لامست السماء ثم ذبلت قبل أوانها.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش