السلام عليكم جميعا
أعود للنشر بعد غياب طويل، ليس لأن لدي إنجازا أشاركه أو خبرا سعيدا، بل لأنني في موقف لم أجد له حلا رغم أنني حاولت كثيرا أن أفهمه وأتعامل معه بطريقة صحيحة.
لدي صديق مقرب جدا، نعتبر أنفسنا إخوة، وعلاقتنا ليست سطحية أو عادية. هذا الصديق يمر حاليا بمرحلة صعبة جدا بسبب مشكلة مع والده. لكن الموضوع ليس مجرد خلاف عادي بين أب وابنه، بل هو تراكم سنوات طويلة من الضغط والكتمان. منذ صغره وهو يعيش في بيئة فيها صراخ مستمر، رفض، إحباط، وكلام جارح. كان دائما يقابل بالانتقاد، وأي شيء يفعله يقابل بالرفض أو التقليل من قيمته، لدرجة أن والده كان في كثير من الأحيان يدعو عليه بكلام سيئ بدل أن يدعمه.
كل هذا لم يظهر فجأة، بل تراكم داخله مع الوقت، إلى أن وصل لمرحلة لم يعد قادرا على التحمل. في الفترة الأخيرة انفجر الوضع، وخرج من المنزل بعد شجار كبير، ثم عاد لاحقا بفضل تدخل والدته، لكنه هذه المرة واجه والده وتحدث عن كل ما كان بداخله لسنوات.
منذ ذلك الوقت، حالته النفسية ليست مستقرة. هو يشعر أنه مظلوم، وأنه لم يفهم طوال حياته، ويرى أن ما بداخله لا يمكن لأي شخص أن يفهمه. هنا تبدأ مشكلتي معه.
أنا حاولت أن أكون بجانبه بكل الطرق. استمعت له، دعمته، وكنت أقول له بصراحة أنني أفهم ما يمر به، ليس فقط من باب المواساة، بل لأنني مررت بتجربة مشابهة وربما أصعب. كنت أرى نفسي قادرا على فهم تفاصيل ما يشعر به، وطريقة تفكيره، وحتى ردود أفعاله.
لكن في كل مرة أحاول أن أتكلم أو أواسيه، لا يرفضني بشكل مباشر. هو يسمع، ويتركني أتكلم، ويبدو وكأنه يتابع كل كلمة. ثم في النهاية يقول بهدوء: “الأمر ليس هكذا… الموضوع أعمق بكثير”.
وهنا تبدأ الحيرة الحقيقية بالنسبة لي. لأنه لا يشرح هذا العمق، بل يكتفي بالإشارة إليه، وكأنه يقول ضمنيا أن ما أقوله سطحي، أو أنني لم أصل للمستوى الذي هو فيه من الفهم. مع أنني في داخلي متأكد أنني أفهم هذا “العمق” الذي يتحدث عنه، لأنني عشته، وليس فقط سمعته أو تخيلته.
يتكرر هذا المشهد كثيرا: أتكلم، يحلل كلامي في صمت، ثم يختصر كل شيء في جملة واحدة تشعرني أنني لم أفهم شيئا. ليس بأسلوب جارح مباشر، لكنه يترك انطباعا بأن كل ما أقوله لا يصل لما يشعر به. وهذا ما يجعلني أحيانا أشعر وكأن جهدي في الفهم يلغى بالكامل، رغم أنني متأكد أنني قريب جدا مما يعيشه.
المشكلة الأكبر أنه لا يريد حلولا. هو فقط يريد أن يتكلم ويخرج ما بداخله، لكن عندما أحاول أن أعطيه أي اقتراح أو طريقة للتعامل مع الوضع، يرفض مباشرة ويقول إن الأمور ليست بهذه البساطة. هو يميل إلى البقاء في نفس الحالة، حزن مستمر، تفكير سلبي، وعزلة.
يقضي أغلب وقته وحده، منعزل في غرفته، ويجلد نفسه كثيرا. حتى عندما نحاول أن نشتغل على مشروع معا ليكون له هدف يخرجه من هذه الحالة، يبدأ بحماس بسيط ثم يرجع لنفس الفكرة: أن الطريق طويل، وأن النتائج بعيدة، فيدخل مرة أخرى في دائرة الإحباط.
أنا وصلت لمرحلة حيرة حقيقية. فكرت حتى أن أقطع مسافة طويلة جدا فقط لأجلس معه وجها لوجه، لكن في نفس الوقت أشعر أن ذلك قد لا يغير شيئا، لأنه حتى في الحديث المباشر، غالبا سيقاطعني أو يعيد نفس الفكرة: أنني لا أفهم كما يظن.
أنا لا أريد أن أفرض عليه رأيي، ولا أريد أن أقلل من مشاعره، لكن في نفس الوقت لا أستطيع أن أراه بهذه الحالة دون أن أحاول مساعدته. المشكلة أن كل محاولة للمساعدة تقابل بشكل غير مباشر بالرفض، وكل محاولة للفهم تختصر في أنه لا أحد يفهمه كما ينبغي.
لذلك أطرح هذا السؤال بصراحة: كيف يمكن التعامل مع شخص يمر بألم حقيقي، لكنه في نفس الوقت لا يرى أن أحدا قادر على فهمه؟ هل الأفضل أن أستمر في المحاولة، أم أترك له مساحته حتى لو كان ذلك يعني أن يظل في نفس الحالة؟
أي شخص مر بتجربة مشابهة أو لديه رأي، سأكون ممتنا لسماعه.
غالبيتنا مر بتجارب مثل هذه وليس تجربة واحدة.
اليك وجهة نظري او تعليقي ولكن يدون تخصص، فإنك ان كنت قد استخدمت كل المحاولات وصديقك في وضعه وحالته فلا بد من عرضه على مختص نفسي حقيقي..
بدايـــة
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته
موقفك نبيل جدا وحيرتك هي ضريبة الصداقة الحقيقية فما يمر به صديقك من المؤكد انها صدمة نفسية متراكمة بسبب غياب الأمان من الشخص الذي يفترض أن يكون مصدره الأول وهو والده وليس حزناً عادياً او عابراً، وجملته المتكررة بأن الموضوع أعمق وأنت لا تفهم لا تعني أنه يقلل من فهمك أو تجربتك لكنها آلية دفاع نفسية لا شعورية لأن الشخص المصدوم يتشبث بألمه ويراه فريداً من نوعه ومستعصياً على الفهم والسبب أن الاعتراف بأن هناك من يفهمه يعني ضمناً أن ألمه قابلاً للتفكيك والحل وهو في هذه المرحلة غير مستعد نفسياً للتعافي أو للحلول هو يريد فقط الاستغراق في دور الضحية كنوع من الاحتجاج الصامت على سنوات الظلم وللتعامل معه أنصحك أولاً بأن تتوقف عن محاولات الحل والمقارنة فلا تقل له أنا مررت بنفس التجربة ولا تقترح عليه مشاريع لانتشاله لأن الحلول في هذه المرحلة تصله كنوع من الاستعجال والضغط النفسي
وثانياً أن تتحول إلى مرآة صامتة بحيث تجلس معه وتستمع له دون إبداء رأي وتكتفي بعبارات مثل أنا هنا معك وأعلم أن الوجع ثقيل ، أحياناً يكون الوجود الصامت والدعم غير المشروط أبلغ من أي نصيحة
وثالثاً السفر إليه فكرة عظيمة فاذهب إليه ليس لتتحدث أو لتغير رأيه ولكن اخبره انك حاضراً دائماً ( أنا بجانبك في عتمتك) فصديقك يحتاج وقتاً ليعبر جسر الإنكار والغضب وأفضل ما تقدمه له الآن هو الصبر ومنحه المساحة دون أن تتركه تماماً.
التعليقات