11

أحاول مساعدته… لكنه يعتقد أن لا أحد في العالم يفهمه

السلام عليكم جميعا

أعود للنشر بعد غياب طويل، ليس لأن لدي إنجازا أشاركه أو خبرا سعيدا، بل لأنني في موقف لم أجد له حلا رغم أنني حاولت كثيرا أن أفهمه وأتعامل معه بطريقة صحيحة.

لدي صديق مقرب جدا، نعتبر أنفسنا إخوة، وعلاقتنا ليست سطحية أو عادية. هذا الصديق يمر حاليا بمرحلة صعبة جدا بسبب مشكلة مع والده. لكن الموضوع ليس مجرد خلاف عادي بين أب وابنه، بل هو تراكم سنوات طويلة من الضغط والكتمان. منذ صغره وهو يعيش في بيئة فيها صراخ مستمر، رفض، إحباط، وكلام جارح. كان دائما يقابل بالانتقاد، وأي شيء يفعله يقابل بالرفض أو التقليل من قيمته، لدرجة أن والده كان في كثير من الأحيان يدعو عليه بكلام سيئ بدل أن يدعمه.

كل هذا لم يظهر فجأة، بل تراكم داخله مع الوقت، إلى أن وصل لمرحلة لم يعد قادرا على التحمل. في الفترة الأخيرة انفجر الوضع، وخرج من المنزل بعد شجار كبير، ثم عاد لاحقا بفضل تدخل والدته، لكنه هذه المرة واجه والده وتحدث عن كل ما كان بداخله لسنوات.

منذ ذلك الوقت، حالته النفسية ليست مستقرة. هو يشعر أنه مظلوم، وأنه لم يفهم طوال حياته، ويرى أن ما بداخله لا يمكن لأي شخص أن يفهمه. هنا تبدأ مشكلتي معه.

أنا حاولت أن أكون بجانبه بكل الطرق. استمعت له، دعمته، وكنت أقول له بصراحة أنني أفهم ما يمر به، ليس فقط من باب المواساة، بل لأنني مررت بتجربة مشابهة وربما أصعب. كنت أرى نفسي قادرا على فهم تفاصيل ما يشعر به، وطريقة تفكيره، وحتى ردود أفعاله.

لكن في كل مرة أحاول أن أتكلم أو أواسيه، لا يرفضني بشكل مباشر. هو يسمع، ويتركني أتكلم، ويبدو وكأنه يتابع كل كلمة. ثم في النهاية يقول بهدوء: “الأمر ليس هكذا… الموضوع أعمق بكثير”.

وهنا تبدأ الحيرة الحقيقية بالنسبة لي. لأنه لا يشرح هذا العمق، بل يكتفي بالإشارة إليه، وكأنه يقول ضمنيا أن ما أقوله سطحي، أو أنني لم أصل للمستوى الذي هو فيه من الفهم. مع أنني في داخلي متأكد أنني أفهم هذا “العمق” الذي يتحدث عنه، لأنني عشته، وليس فقط سمعته أو تخيلته.

يتكرر هذا المشهد كثيرا: أتكلم، يحلل كلامي في صمت، ثم يختصر كل شيء في جملة واحدة تشعرني أنني لم أفهم شيئا. ليس بأسلوب جارح مباشر، لكنه يترك انطباعا بأن كل ما أقوله لا يصل لما يشعر به. وهذا ما يجعلني أحيانا أشعر وكأن جهدي في الفهم يلغى بالكامل، رغم أنني متأكد أنني قريب جدا مما يعيشه.

المشكلة الأكبر أنه لا يريد حلولا. هو فقط يريد أن يتكلم ويخرج ما بداخله، لكن عندما أحاول أن أعطيه أي اقتراح أو طريقة للتعامل مع الوضع، يرفض مباشرة ويقول إن الأمور ليست بهذه البساطة. هو يميل إلى البقاء في نفس الحالة، حزن مستمر، تفكير سلبي، وعزلة.

يقضي أغلب وقته وحده، منعزل في غرفته، ويجلد نفسه كثيرا. حتى عندما نحاول أن نشتغل على مشروع معا ليكون له هدف يخرجه من هذه الحالة، يبدأ بحماس بسيط ثم يرجع لنفس الفكرة: أن الطريق طويل، وأن النتائج بعيدة، فيدخل مرة أخرى في دائرة الإحباط.

أنا وصلت لمرحلة حيرة حقيقية. فكرت حتى أن أقطع مسافة طويلة جدا فقط لأجلس معه وجها لوجه، لكن في نفس الوقت أشعر أن ذلك قد لا يغير شيئا، لأنه حتى في الحديث المباشر، غالبا سيقاطعني أو يعيد نفس الفكرة: أنني لا أفهم كما يظن.

أنا لا أريد أن أفرض عليه رأيي، ولا أريد أن أقلل من مشاعره، لكن في نفس الوقت لا أستطيع أن أراه بهذه الحالة دون أن أحاول مساعدته. المشكلة أن كل محاولة للمساعدة تقابل بشكل غير مباشر بالرفض، وكل محاولة للفهم تختصر في أنه لا أحد يفهمه كما ينبغي.

لذلك أطرح هذا السؤال بصراحة: كيف يمكن التعامل مع شخص يمر بألم حقيقي، لكنه في نفس الوقت لا يرى أن أحدا قادر على فهمه؟ هل الأفضل أن أستمر في المحاولة، أم أترك له مساحته حتى لو كان ذلك يعني أن يظل في نفس الحالة؟

أي شخص مر بتجربة مشابهة أو لديه رأي، سأكون ممتنا لسماعه.


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

تحية لك على هذا المقال الصادق والعميق. في الحقيقة، أنت لا تشرح مشكلة صديقك فحسب، بل تشرح فخا سيكولوجيا شهيرا يقع فيه الأصدقاء المخلصون، وهو ما أسميته بـ نفق المبالغة العاطفية؛ حيث يندفع المرء بكليته للعب دور المنقذ لشخص لا يريد الإنقاذ، بل يبحث عن شرعنة ألمه.

صديقك يمر بمرحلة صعبة، لكن دعنا نضع النقاط على الحروف في سلوكه، ونتجرد من العاطفة قليلا لفهم المشهد:

أولا: وهم الانفراد في الألم. جملة صديقك المتكررة (الموضوع أعمق بكثير... لا أحد يفهمني) ليست توصيفا للحقيقة، بل هي آلية دفاعية يعتمدها عقله لحماية ألمه. الإنسان عندما يتعرض لصدمات متراكمة منذ الطفولة، يحتاج أحيانا إلى إضفاء نوع من القداسة والفرادة على معاناته لكي يبرر لنفسه العزلة والقعود عن المحاولة. إن اعترافه بأنك تفهمه يعني هبوط ألمه من مرتبة المعجزة الوجودية إلى مرتبة المشكلة الإنسانية الطبيعية التي يمكن حلها، وهذا ما يرفضه لا وعيه حاليا لأن الحل يتطلب جهدا ومواجهة، بينما البقاء في دور الضحية المظلومة أسهل بكثير.

ثانيا: لذة جلد الذات. أنت ذكرت بنفسك أنه يرفض الحلول، ويفضل العزلة وجلد الذات. هذا السلوك في علم النفس ليس مرضا عابرا، بل هو حيلة هروبية مغلفة بالفضيلة؛ إنه يستمتع بالوعي الشقي، ويحول الألم إلى هوية . عندما يتكلم فقط ليخرج ما بداخله دون رغبة في الإصلاح، فهو يستخدمك كـوعاء عاطفي لتخفيف الضغط المؤقت، ثم يعود لقوقعته، وهذا يلغي تماما شرط الندية والتوازن في علاقتكما؛ حيث تحولت أنت إلى أداة لترميم نرجسيته الجريحة، بينما يتم إحباطك وإلغاء جهدك المعرفي باستمرار.

ثالثا: فخ مقارنة التجربة. محاولتك مواساته بالقول إنك مررت بتجربة مشابهة أو أصعب هي خطأ تكتيكي في التعامل مع هذه الحالات؛ لأن الشخص الغارق في الرثاء الذاتي يرى في مقارنتك دليلا على أنك تحاول سرقة الأضواء من مأساته، أو التقليل من حجم وجعه، فيرد فورا بالتحصن خلف جملة الأمر ليس هكذا.

نصيحتي لك من منظور الندية والتوازن:

  1. انسحب من دور المنقذ فورا: صديقك ليس طفلا قاصرا، وهو ند للواقع وظروفه. إن إصرارك على الركض خلفه وقطع المسافات لإنقاذه يزيد من استعلائه بالألم، ويشعره بأن معاناته ثمينة لدرجة تجعل الآخرين يحرقون أنفسهم لأجله.
  2. غير شروط الاستماع: استمع إليه كصديق، ولكن ضع حدودا واضحة. عندما يبدأ بنغمة أنت لا تفهم، أجب بوضوح وهدوء: أنا أحترم خصوصية ألمك، ولكنني لست هنا لأحاكم مدى عمق مشاعرك. أنا هنا لأنني أهتم بك كأخ، فإذا كنت تبحث عن خطوة للتغيير فأنا معك، أما إذا كنت تريد إقناعي بأنك الضحية الوحيدة في هذا العالم، فهذا وهم لا أستطيع مرافقتك فيه.
  3. اترك له مساحته ليتحمل مسؤولية نفسه: إن أعظم خدمة تقدمها له الآن هي أن تتركه يرتطم بقاع أفكاره؛ فالأنظمة الفكرية المنغلقة لا تستيقظ بالمواساة الدافئة، بل بالبرود الوجودي الذي يفرضه الواقع عندما يتوقف الآخرون عن تقديم الدعم المجاني لإعادة إنتاج الحزن.

السؤال الفلسفي الذي يفرضه موقفك على الجميع: هل مساعدة من نحب تعني الاندفاع معهم في قاع بئرهم والقبول بالغاء وعينا، أم تعني الوقوف على الحافة بصلابة وندية، وتقديم اليد فقط لمن يملك الشجاعة ليمد يده ويحاول الصعود؟

اعذرني على الاطالة والاسهاب في الرد لكن ما طرحته كان بستوجب التوضيح وما كتبته انا يمثل وجهة نظر شخصية.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

أشكرك جداً على هذا التعليق العميق والمفصل، وبالعكس تماماً كنت أتمنى لو توسعت أكثر، لأن ما كتبته يعكس وعياً ونضجاً واضحين، واستفدت منه فعلاً في فهم زاوية جديدة من الموقف.

أحب فقط أن أوضح نقطة صغيرة حتى تكون الصورة أدق: أنا لم أقارن تجربتي بتجربته، ولم ولن أفعل ذلك معه، لأنني واعٍ تماماً أن هذا النوع من المقارنة في مثل هذه الحالات قد يُفهم بشكل خاطئ، لذلك أنا أتعمد أن أبقي هذا الجانب لنفسي رغم يقيني أنني أفهم ما يمر به.

أيضاً لفت انتباهي تحليلك لفكرة “شرعنة الألم” و”لذة جلد الذات”، وأنا أتفهم هذا الطرح من ناحية نفسية، وقد يكون فيه جانب من الصحة، لكن بصراحة أجد صعوبة في التعامل مع صديقي انطلاقاً من هذا التصور الحاد. لأنني في النهاية لا أراه حالة تحليلية بقدر ما أراه إنساناً قريباً مني يمر بانهيار حقيقي، ولهذا يصعب عليّ أن أتعامل معه ببرود أو أن أنسحب بشكل كامل من دوري معه.

فكرة الانسحاب من دور المنقذ أفهمها من ناحية المبدأ، لكن لدي تخوف حقيقي: ماذا لو انسحبت وخرج هو لاحقاً من هذه المرحلة، ثم نظر إلى الوراء ووجد أنني تركته في أصعب لحظاته؟ لا أريد أن تتحول العلاقة بيننا إلى شعور بأنه واجه كل ذلك وحده بينما كنت قادراً على أن أكون موجوداً بشكل أفضل.

بالنسبة لسؤالك في النهاية، فأنا أراه معادلة صعبة: لا أعتقد أن المساعدة تعني النزول معه إلى قاع البئر وإلغاء وعينا، ولا أراها أيضاً وقوفاً بارداً على الحافة. ربما ما أبحث عنه هو منطقة وسطى: أن أكون موجوداً، ثابتاً، لا أذوب في ألمه ولا أختفي عنه، وأمد يدي له باستمرار، لكن دون أن أفرض عليه الصعود.

إشكالي الحقيقي الذي ما زلت أبحث له عن إجابة هو: كيف أحقق هذا التوازن عملياً؟ كيف أكون حاضراً وداعماً دون أن أتحول إلى مجرد “وعاء للألم”، ودون أن أشعر أيضاً أنني تخلّيت عنه؟

أشكرك مرة أخرى على وقتك وعلى هذا الطرح القيّم.