مازِلت أتذكر وجه تلك السيدة التي كانت تبيع المناديل الورقية في محطة القطار، التقت بي وأنا نازلٌ من سيارة الأجرة، طلبت مني شراء بعضٍ من تلك المناديل التي تحملها بكلتا يديها.
في بادئ الأمر، ولأنّي كنت مسرعًا خشية أن يفوتني القطار الذي سيأخذني إلى وجهتي، أعطيتها ما كان معي من البقشيش الذي تبقى لي وأكملت طريقي مسرعًا، فإذا بي أسمع نداءً خافتًا من ورائي:
"تعال يا بني،"
"يا بني، تريث قليلًا...!"
استدرت فوجدت تلك السيدة تمشي مسرعة الخطى نحوي، أقدمت وكلّي فضولٌ لمعرفة السبب الذي جعلها تناديني.
خاطبتني بلهجةٍ منكسرةٍ تخبرك أن مشقات وضغوط الحياة قد نالت قسطًا وافرًا من صحتها:
"يا بني، إني لا آخذ مالًا إلا بعرق جبيني، فهاك خذ ما أعطيتني مالًا مناديلًا."
اعتلت وجهي ابتسامةٌ عريضةٌ ثم سارعت بأخذ بعضٍ من تلك المناديل وشكرتها ثم أكملت طريقي.
أدخلني تصرف تلك السيدة في حيرةٍ واندهاشٍ طوال رحلتي، ظللت طوال الطريق أردِّد في نفسي:
"ما الذي دفع تلك السيدة لفعل ذلك يا ترى؟"
"أما كان من الأفضل لها أن تجني بعضًا من المال من دون مقابل؟"
ظللت أفكر مدةً من الزمن ثم تذكًّرت قوله عزَّ وجل:
﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾
البقرة، 273
فأدركت أن دافعها كان ما بداخلها من كرامةٍ وأنفةٍ وعزة نفس، فمثل هؤلاء الناس لا يعرفون سبيلًا لكسب قوت يومهم إلا عن طريق عرق جبينهم، وما تجني أيديهم من دراهم ودنانير حلالًا، بعيدًا كل البعد عن كل ما هو حرامٌ تشمئزُّ نفوسهم منه.
فالنفوس الطيبة لا ترضى إلا بما هو طيب، كالشجرة التي تُسقى بالماء الطيب النقي، فتُزهر وتُثمر ولا يكون عطاؤها إلا طيبًا، عكس الشجرة التي يكون سقاؤها خبيثًا فلا تؤتي إلا خبيثًا.
غمرني الفرح كثيرًا لأني التقيت بهذه السيدة وأخذت منها درسًا في الحياة، مع العلم أن ما كان في نيتي هو أخذ المناديل مقابل المال إلا أني كنت على عجلةٍ من أمري.
التعليقات