في ذاكرتي البعيدة، كان الأطفال في حينا يسارعون الشمس في الإشراق كي يغادروا بيوتهم للعب في الشارع، وكانت العائلات تجتمع في صالات المنازل كل ليلة لشرب الشاي ومشاهدة التلفاز، وكانت النساء يلتقين لمبادلة أطراف الحديث، ولا يلقين بالًا لما يحدث خارج أسوارهن الصغيرة، والآن تغير كل شيء بين حين وغفلة، وأصبح الأطفال الذين يكرهون العودة لمنازلهم يلزمونها، مقابلين الهواتف والشاشات، وفي اجتماعات العائلة تنكب رؤوس الأفراد على هواتفهم، مدعين أنهم يستمعون، وهم في عالم آخر تمامًا عما يدور في تلك الغرفة، إن بقيت هناك اجتماعات فعلًا، أما النسوة فأصبحن يتحدثن عن تلك المؤثرة وملابسها والأماكن التي زارتها وفضائحها وغير ذلك من الأمور السلبية، فكيف دخل إلينا عالم الوهم، وكيف نحمي أنفسنا من الخطر الذي تؤويه منازلنا؟
كم نقضي من الوقت على الهاتف؟
تشير الإحصائيات إلى أن الإنسان يقضي 4 ساعات ونصف إلى 4 ساعات و45 دقيقة في اليوم على الهاتف، وقد تصل إلى 7 ساعات لدى فئة الشباب، ويتفقد الفرد منا هاتفه 58 مرة في اليوم، ما يعكس الوقت الضخم المهدر على شاشات الهاتف، وحجم المدخلات التي يتعرض لها، ويبرز بوضوح حجم تأثير استخدام الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي على تفاصيل حياتنا اليومية.
آثار الإفراط في استخدام الهاتف على الصحة النفسية
ينشأ عن هذا الاستهلاك المفرط آثار عديدة، أبرزها:
1—التشتت: أصبح الحفاظ على التركيز في زمن التشتت إنجازًا عظيمًا، حيث لم يعد الإنسان قادرًا على توجيه تركيزه إلى شيء معين أكثر من دقائق معدودة دون أن يتشتت مجددًا ويمد يده نحو هاتفه ليتصفحه.
2—المقارنة: مواقع كالانستغرام كافية لصنع فجوة نفسية ضخمة عند الإنسان، كان الإنسان يعيش حياة هادئة يملؤها الرضا والسكينة حتى دخلت هذه التطبيقات حياته، فكبسة واحدة لخاصية الستوري تكفي لهدم ثباتك النفسي والرضا عن حياتك، يستعرض الناس فيه أساليب حياتهم من رحلات ومطاعم فاخرة وملابس، وهنا تبدأ المقارنة وذم الذات وعدم الرضا، مما يؤدي إلى نشأة أمراض نفسية كالاكتئاب والتوتر والقلق، يظهر المؤثرون أنفسهم كناجحين على سلم المجتمع بينما أنت الذي لا زلت تشق طريقك ترى نفسك في القاع غير مدرك أن كل ذلك وهم ومحاولة منهم لتجميل حياتهم في نظر الآخرين.
3—ضعف الإنتاجية: استعمال الهاتف كل هذا الوقت يجعلك كسولًا، الانتقال من موقع إلى آخر ومتابعة هذا وذاك يجعلك منشغلًا بهم دون النظر إلى ما ينتظرك من دراسة وعمل وتعلم، ما يجعل أيامك روتينًا واحدًا دون إنجاز.
4—القلق: ينشأ عن الابتعاد المؤقت عن الهاتف قلق شديد ورغبة في الاطلاع على ما فاتك، وتظهر على الإنسان آثارًا تشبه إلى حد بعيد آثار المدمن الذي ينتظر تلك الجرعة التي تروي عطشه، فتنهض من المجالس وتهرب منها إلى هاتفك، وتسرح بعيدًا تستعيد ما رأيته سابقًا حين يتحدث الناس إليك، تأكل بسرعة للعودة إلى مشاهدة ما فاتك، إن لم تكن تأكل والهاتف بين يديك.
5—تعفن الدماغ: يعد من أمراض العصر، مشاهدة المقاطع القصيرة والانتقال بينها لساعات دون إدراك معنى واحد يؤدي إلى تعفن الدماغ وفقدان القدرة على مشاهدة فيديو طويل واحد أو التعلم أو قراءة صفحة من كتاب.
هل الهاتف عدو أم وسيلة؟
وكما للهاتف سلبيات، لا ننكر إيجابياته التي قربت إلينا العالم، والتي سهلت لنا العلم والمعرفة، والتي أتاحت لنا ما كان يسافر إليه أجدادنا لشهور، إن عرفنا كيفية استغلالها بصنع خطة صحية تجعلنا نستفيد بقدر ما نتضرر على الأقل.
كيف نستخدم الهاتف بوعي؟
يمكن تحقيق التوازن في استخدام الهاتف عن طريق:
1—تقليل الإشعارات: تلعب الإشعارات دورًا كبيرًا في المدة التي نقضيها على الهاتف، ننشغل قليلًا في تركيز ثم يرن الهاتف معلنًا عن إشعار من أحد المواقع، ورغم علمنا بعدم أهميته إلا أننا نمد أيدينا للاطلاع عليه، يظهر إطفاء الإشعارات كحل سحري حيث ينقلك من التحقق من الهاتف بسبب إشعار أرغمك على فتحه إلى فتحه حين تريد ذلك.
2—قضاء وقت معين دون هاتف: تسمح تطبيقات القفل المنتشرة على متجر التطبيقات بقفل هاتفك لوقت معين أو قفل التطبيقات، تعد خطوة مهمة لعدم الانغماس في هاتفك دون إدراك، وتخصيص وقت محدد لإراحة وتنظيف عقلك من المدخلات.
3—القيام بأنشطة أخرى: حاول إدخال أنشطة جديدة تزاحم الهاتف كالقراءة والكتابة والمشي والرياضة وغيرها.
4—استخدام التقنية بوعي: قضاء الوقت على الهاتف أمر لا مفر منه، فقد اعتادت أيدينا على مسك الهاتف ولو للاطلاع على الساعة، يمكن تحويل هذا إلى فائدة باستعمال الهاتف للتعلم وإنشاء المحتوى بدل متابعته وقراءة المقالات المتعددة ومشاهدة المحتوى الطويل بدل المقاطع القصيرة التي تؤدي إلى التعفن الدماغي.
خاتمة
يعتبر إنسان الوقت الحالي إنسانًا هشًا نفسيًا بطبعه، سهل التأثر، لذا بدل أن ندمر نفسياتنا أكثر يجب أن نسعى لإصلاحها وحمايتها من أمراض العصر الكثيرة ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الغرق في هوة لا خروج منها.
التعليقات