لم أكن أفهم في صغري معنى ذلك الشعور الثقيل الذي كان يزحف إلى صدري كلما التقيتُ بنظراته. كان جارنا… شخصًا عاديًا في نظر الجميع، لكنني كنت أراه بشكل مختلف. كنت أشعر أن عينيه لا تنظران إليّ كإنسانة، بل كشيءٍ يُفصَّل، يُراقَب، يُنتَهَك بصمت.
لم يكن يلمسني، لم يقل شيئًا صريحًا… لكنه كان يفعل ما هو أخطر: كان يُشعرني أنني مكشوفة، ضعيفة، مُستهدفة. كان يُفصّص جسدي بنظراته، وكأنني بلا قيمة سوى ما يراه هو.
الأصعب من ذلك… أنني لم أكن أجد من أفهمه. حاولتُ يومًا أن ألمّح، أن أعبّر، لكن الردود كانت باردة:
“يمكن أنتِ مكبّرة الموضوع…”
“هو رجل محترم، أكيد فاهمة غلط…”
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
التحرش لا يكون دائمًا واضحًا، ولا دائمًا يُصدَّق.
كبرتُ قليلًا، وبدأتُ أفهم. أدركتُ أن ما كنت أشعر به لم يكن وهمًا. كان انتهاكًا صامتًا، لكنه حقيقي. وأدركتُ أيضًا أن سكوتي لم يكن ضعفًا… بل كان نتيجة خوف، وقلة وعي، وعدم وجود مساحة آمنة للحديث.
لكن لحظة التحوّل جاءت عندما سألت نفسي:
إلى متى سأظل أعيش خائفة من نظرة؟
إلى متى سأجعل صمتي يحميه بدلًا من أن يحميني؟
بدأتُ أغيّر شيئًا واحدًا: لم أعد أهرب بنظري.
صرتُ أنظر بثبات، بوعي، برفض واضح. لم أقل شيئًا بصوت عالٍ… لكنني داخليًا كنت أقول: أنا لستُ ضعيفة، ولن أسمح لك أن تجعلني أشعر بذلك.
ثم بدأتُ أتحدث.
ليس عنه فقط… بل عن الفكرة نفسها. عن التحرش الذي لا يُرى، عن الألم الذي يُكذَّب، عن البنات اللواتي يُطلب منهن الصمت بدل الحماية.
وهنا أدركتُ حقيقة مهمة:
التحرش لا يُقاس بحجمه… بل بأثره.
قد تكون نظرة، كلمة، إشارة… لكنها قادرة أن تهز إنسانًا من الداخل.
قصتي ليست استثنائية.
هي قصة كثيرين… صمتوا لأنهم لم يجدوا من يسمعهم، أو خافوا من أن لا يُصدَّقوا.
لكنها أيضًا قصة قوة.
لأنني اليوم لم أعد تلك الطفلة التي تخاف من نظرة.
أنا إنسانة واعية، تعرف حقها، وتدافع عن نفسها… وتفتح الطريق لغيرها ليفعلوا الشيء نفسه.
التعليقات