أين تذهب عندما تحتاج إلى إنجاز عملك فعلًا؟ إذا أثرت هذا التساؤل بين العاملين معك، فإن القليل منهم فقط سيرد "المكتب". حتى مَن يقولها، سيضيف: "في وقت مبكر جدًا في الصباح قبل أن يصل أي شخص" أو "أبقى حتى وقت متأخر من الليل بعد مغادرة الجميع" أو "أتسلل في عطلة نهاية الأسبوع".
لتكتشف أن المكتب هو آخر مكان يصلح لإنجاز أي عملٍ مهم عامةً، فضلًا عن العمل الإبداعي الذي يتطلب عزلة ذهنية وفترات تركيز متواصلة. فالمكاتب تحوّلت إلى مصانع للمقاطعة، في كل زاوية تجد مكالمة جماعية، اجتماع، اجتماع آخر، أو نوع آخر من المقاطعات غير الضرورية، مقاطعة تلو الأخرى. ليتفتت يوم العمل إلى دقائق هنا وهناك، تُفقد الموظفين القدرة على الاستغراق لإنجاز مهامهم.
المفارقة أن بعض المؤسسات ما زالت تروج للنموذج التقليدي للعمل المكتبي كمسار للإنتاجية، مع ما تتضمنه من ضجيج ومقاطعات مستمرة. برأيك: لماذا تستمر هذه المؤسسات في الترويج للعمل المكتبي التقليدي رغم تأثيره على الإنتاجية؟
لكن ألا ترى أن السبب أعمق من مجرد مراقبة الموظفين أو اعتياد المكاتب! . الحقيقة أن العمل المكتبي يخدم مصلحة أكبر بكثير مصلحة التحكم والسلطة. فوجود الموظف في المكتب لا يعني فقط أنه يعمل، بل يعني أن المدير يرى، يسمع، ويشعر أنه يسيطر . المكتب يمنحه وهم الهيمنة، ومساحة النفوذ التي لا يمكن ممارستها خلف شاشة. أما العمل عن بعد، فيسحب منهم هذه القوة، لأنه يكشف الأداء الحقيقي بالأرقام والنتائج فقط، ويمنع لعبة الوجود الشكلي . فليست كل المؤسسات تريد إنتاجية، بل تريد انضباطًا يمكن رؤيته. المكتب بالنسبة لهم ليس مكان عمل، بل مسرح سلطة. والمفارقة؟ لو قررت هذه المؤسسات فجأة أن تقيس المخرجات فقط لا الحضور، سينكشف أن جزءًا كبيرًا مما يسمونه عملًا ما هو إلا روتين اجتماعي للحضور والظهور.
الحقيقة أن العمل المكتبي يخدم مصلحة أكبر بكثير مصلحة التحكم والسلطة. فوجود الموظف في المكتب لا يعني فقط أنه يعمل، بل يعني أن المدير يرى، يسمع، ويشعر أنه يسيطر . المكتب يمنحه وهم الهيمنة، ومساحة النفوذ التي لا يمكن ممارستها خلف شاشة
هذا الكلام يناقض بعضه يا خلود. ولكن الأهم، أي مؤسسة إن لم تكن تهدف إلى الربح، فماذا سيفيدها وجود الموظفين إن كان الهدف هو مجرد حضورهم ومراقبتهم؟ حتى لو كانت مؤسسات غير ربحية، فهي تقدم خدمات تحتاج إلى نتائج ومخرجات قابلة للقياس. في كل الأحوال نعمل من أجل تحقيق شيء.
ليس في كلامي تناقض، بل في واقع المؤسسات نفسها.
الربح ليس دائمًا نتيجة إنتاجية، بل أحيانًا نتيجة صورة الانضباط. كثير من الإدارات لا تقيس العمل بالأداء، بل بمن حضر مبكرًا وابتسم في الاجتماعات. هل سمعتِ عن مدير يرفض فكرة العمل عن بعد رغم أن النتائج أفضل؟ السبب ليس في الأرقام، بل في التحكم. الشعور أن الموظف أمامه وتحت نظره يمنحه طمأنينة زائفة بأنه يسيطر. القضية ليست عن الأرباح، بل عن السلطة. لأن بعض المؤسسات لا تبحث عن الكفاءة، بل عن الطاعة. وأسوأ ما في الأمر؟ أن هذا التحكم يُستهلك كأنه إنجاز إداري، بينما الإنتاج الحقيقي يتم خارج أسوار المكاتب، بصمتٍ وبدون حضورٍ مزيف.
التعليقات