كنت في مناقشة مع أحد الزملاء الذين دخلوا Y Combinator، فأخبرني بأننا في الشرق الأوسط نُسمي أنفسنا صناديق رأس مال مخاطر، لكننا لا نمارس المخاطرة بمعناها الحقيقي؛ إذ ينصبّ التركيز غالبًا على الشركات التي أثبتت نموًا سريعًا أو تمتلك أرقامًا مغرية للمستثمر، بينما تُترك المشاريع الصغيرة في مراحلها الأولى بلا دعم، رغم أن جوهر رأس المال المخاطر يقوم على تحمل احتمالية الفشل مقابل اكتشاف قصص نجاح جديدة. والمفارقة أن عدد المستثمرين في المنطقة يزداد، لكن التمويل يصبح أصعب، لأننا نبحث عن نتائج سريعة لا عن بناء منظومة مستدامة. فما الذي يجعل الصناديق تخشى المغامرة مع المشاريع الصغيرة؟
ما الذي يجعل التمويل أصعب رغم زيادة عدد المستثمرين؟
المشاريع الصغيرة غالبًا ما تكون في مرحلة مبكرة وغير واضحة المعالم، مما يجعل من الصعب على المستثمرين تقدير العوائد أو رسم مسار النمو بدقة.
هذه النقطة تحديدًا تُعبر عن المعضلة الجوهرية في بيئة الاستثمار عندنا: غياب القدرة على قراءة الغموض كفرصة. في الأسواق الأكثر نضجًا، يُعتبر الغموض وقودًا للابتكار، لأنه يعني أن هناك مساحة لتجربة حلول جديدة وخلق قيمة غير مسبوقة. أما عندنا، فيُترجم الغموض إلى "خطر غير مرغوب فيه"، فيُقتل المشروع قبل أن ينمو.
مثلًا يا بسمة شركات عالمية كـ Airbnb أو Uber، بدأت بفكرة غامضة لا يثق بها المستثمر التقليدي، ومع ذلك حاضنات الأعمال وأنظمة التمويل المرنة منحتها فرصة للتمدد حتى صارت تقود أسواقًا كاملة. في المقابل، المشاريع عندنا تُجبر على إثبات الربحية مبكرًا، وكأنها شركة ناضجة وليست ناشئة.
أعتقد أن غياب البنية التي تحوّل "المخاطرة" إلى "مغامرة محسوبة" هو ما يجعل رأس المال المخاطر لدينا أقرب إلى التمويل البنكي. وهنا يبرز السؤال: هل نحن بحاجة إلى تغيير في عقلية المستثمرين أنفسهم، أم إلى إصلاحات في المنظومة الأوسع (تشريعات، حاضنات، سياسات حكومية) لتشجيعهم على خوض هذه المغامرة?
طبعًا لا جدوى من تغيير عقلية المستثمرين إذا لم تكن هناك بنية تحتية متكاملة تدعم هذا التغيير، فلا يمكن أن نطالب المستثمر بأن يكون مغامرًا في بيئة تشريعية جامدة، تفتقر إلى الحوافز، وتحمله وحده عبء الفشل.
المشكلة ليست فقط في عقلية المستثمر، بل في منظومة كاملة لا تفرق بين المخاطرة المحسوبة والمقامرة، ولا تمنح المشاريع الناشئة المساحة الكافية للنمو والتجريب، فقبل أن نطلب من رأس المال أن يتغير، علينا أن نوفر له بيئة تشريعية وتمويلية وتشغيلية تؤمن بأن الغموض ليس تهديدًا، بل فرصة لبناء شيء جديد.
التعليقات