أيتها النهاية
لماذا كلما دنوتُ منك بخطوةٍ
تواريتِ عنِّي
وكلما لامستُ وجهتكِ
كان الجحيمُ ينتظرُني عند حافَّتك؟
:باللهِ عليكِ أخبريني
كيف أصلُ إليكِ
. دون أن أمرَّ بكِ
عاينتُ المكان بدقةٍ
علوٌّ شاهق،
لا يمتطيهِ
إلّا كلُّ ضائعٍ..غارق
حافةُ البنايةِ تلك
لم تكن مجرّدَ إسمنتٍ عارٍ
بل كانت حدًّا فاصلاً بين فكرتين:
أنْ أسيرَ نحو الموتِ
وأفتحُ له ذراعيَّ
أو أن أبقى هنا
.حتى يفتحَ لي هو ذراعيه
كانت حياتي ليالٍ تنسِلُ ليالٍ
سوادٌ في سوادِ
كهوفٌ بلا فجر
تعيشُها غربان جائعة
تتغذَّى على أفكاري
فكرة تلو الأخرى
بقضمةٍ واحدةٍ
وتنسِفُ ما تبقَّى لي من اليقينِ
الإيمانِ
والثبات
حتَّى لا يبقى في نظري معنى لـلمعنى
ولا أبصرُ في نهايةِ المدى
سِوى فناء آخر
ووحدة أخرى
.لمصيرٍ تجرُّني إليه قيامتي
عرفتُ منذ سبعة أشهر أنني كنتُ أُطحنُ في فوهةٍ فارغةٍ
أنهضُ كل يومٍ؛
كأنني أستعيرُ قناعًا أؤدي فيه دورًا لا يشبهني
أدوارٌ كاملةً
ثم أعود إلى البيت ناقصةً
.مرة من نفسي وكثيرٌ من عقلي
كنتُ أظنُّ أن هذا الانطفاء
مجرد ترفٌ مائع
و تعب بسيط
يكفيه أقراص مُسـكِّنة
أو فضفضة دافـئة
حتى اكتشفتُ أن التعبَ حين يستوطنُ الإنسان
لا يعود يشبه التعب
.بل يصبحُ شكلًا آخر من الغياب
انسحبتُ من صفوفِ القِتالِ
قليلاً
قليلاً
وآثرتُ البقاء في الظلِّ
حيثُ الهدوءُ ضجيجًا لا يُطاق
والعاصفة طقسًا يوميًّا
.والموتُ مشروعًا قيّد التنفيـذ
قرأتُ عن الإكتئاب(Major Depressive Disorder)
كانت كل العلامات تُشير إليّ بإصرارٍ قاسٍ
تقول لي أنني لستُ أبحث عن وصفٍ لحالةٍ طارئةٍ، بل عن اسمي الحقيقي حين أكون وحدي.
لكن لم يقتلني يومها سوى كلمات جافّة
قيلت لي، حينما اشتكيتُ منِّي
وبُحتُ بتعبي لعائلتي
وأصدقائي
قالوا لي:
"كلنا تعبانين"
"بتهون"
"صلّي..
اقرأي قرآن"
كنتُ أستمع لكلماتهم مثلما يقفُ السجين على منصةِ المحكمةِ
ويستمعُ لحُكمِ إعدامهِ
ليس إنقاصًا من النُصحِ
بل لأنَّ التداوي ليس خروجًا عن الإيمانِ
بل امتدادٌ له
و الشفاء ليس مجرد دعاءٍ يُقال
بل سعيٌ يُؤخذ
وكما يشتكي الكبد و تنمغصُ المعدة
و تلتهبُ الكلى
فالدماغ يصدأ
ويتآكل مثل نار ملتهمة
. تمضغُ كل ما تراهُ في طريقها
بدأتُ أفكرُ جديًّا بفكرة العلاجِ
كالعطشانِ يبحثُ عن قطرةِ ماءٍ في سرابٍ فسيح
ثم تراجعتُ؛ ليس من الخوف من الطريق
بل من العيون الذي تنتظرني آخره.
من وصمةٍ خفيةٍ تتدلَّى من ألسنةٍ لاذعةٍ
كأنَّ زيارة الطبيب؛ إعلان جُنون
لا إعتراف ألم
وهكذا
حتى بدأتُ أضمحلُ في اليأسِ
:وظلَّ همسَ العارِ يخنقُني
«هذا الألم يجب أن يُخفى لا أن يُعالج.»
أسئلة طويلة بدأت تزحفُ إلى رأسي
تخطفُ السكينةَ من أيامي
و تجزُّ بالمنشارِ أعصابي
حتى وجدتُني
لا أبحث عن سلوى
بل عن
. خلاص أخير
—متأخرة—
أدركتُ أنني لم أعد أقاومُ الفكرة،
بل أروّضها
وأكررها
وأمجِّدها
:وإبليس يتشوَّق بلهفةٍ
متى أباشرُ فيها
متى أشربُ القيظ
و يُشفى صدره من الغيظ
المدينة من تحتي
كانت تضجُّ بحياةٍ لا تحتاجني
ضحكاتٌ تتطاير
وجوهٌ تمضي
و سياراتٌ تتدافع
:تبًّا لك أيتها المدينة
. كم أنتِ ماهرة في أن تعيشي دون أن تلتفتي لأحد
وضعتُ قدمي
على الحافّة—
، نصفُها في الهواء
ونصفُها
متردّدٌ
في تلك اللحظة
لم يمرّ شريط حياتي،لم أرَ وجوهًا،لم أبكِ،لم أندم.
كان كلُّ شيءٍ
صامتًا
. حدَّ الخيانة
ثم—
انشقّ الصمت.
اللهُ أكبر…اللهُ أكبر…
دخل الأذانُ
إلى أعمق نقطةٍ في قلبي،
كأنني أسمعه
. للمرّة الأولى
اللهُ أكبر
أكبرُ من هذا الليل؟
من هذا الثقل؟
من هذه الفكرة التي أقنعتني أن الغيابَ هو النجاة؟
تراجعتُ مع آخر صدى الأذان، وعدتُ إلى بيتي أحاول استيعاب ما كنتُ سأفعله؛ كيف كدتُ أسفكُ دمي وأهدرُ تلك الأمانة التي سيسألني عنها الله.
في تلك الليلة بدأتُ العلاج، ووضعتُ كلام الناس خلفي كأنه لم يكن، وعدتُ إلى الورق لا لأكتب عن الموت، بل عن النجاة.
النجاة لا تأتي دائمًا كضوءٍ يقتحمُ العتمة، بل أحيانًا تأتي ..بهدوءٍ شديد
تمامًا، كخطوةٍ واحدةٍ إلى الوراء
١٥ | نيسان | ٢٠٢٦
التعليقات