الحزن

لم أكن أظن أن الحزن قد يتجاوز كونه زائرًا يعبر الروح ليصبح أرضًا نقيم فيها، وسقفًا نحتمي تحته، ولغةً تسري في أعماق حديثنا. لم أكن أتصور أن الحزن يمكن أن يكون وطناً، لا نكتفي بالسكن فيه، بل نحمل هويته، ونتمثل ملامحه، حتى تصبح ملامحنا امتدادًا لوجعه وصمته العميق.

هناك حزن لا يشبه العابرين، لا يكتفي بأن يكون ظلاً مؤقتًا، بل يتجذر فينا كالأشجار العتيقة، يكبر معنا، يتحدث بلساننا، ينسج أيامنا بتؤدة، حتى نكاد ننسى كيف كان شكل الفرح، أو نغمة الضحك قبل أن يصبح الصمت لغتنا الأم. في هذا الوطن الرمادي، لا نبحث عن الخروج، لأننا نخشى أن نصبح بلا هوية، بلا انتماء، بلا ذاكرة.

لكن، أيكون الوطن شعورًا أم اختيارًا؟ وهل الحزن وطن حقًا، أم أنه المنفى الذي نمنحه أسماءً زائفة لنروضه داخلنا؟


الحزن ليس وطنا و لن يصبح كذلك. تقبله كوطن يعد استسلام له. الحزن عدو يجب محاربته إذا طال علينا أكثر من المعتاد. نحاربه بالأمل و السعي و الذكر و مقابلة الأصدقاء و دعم الأهل و المشي و الأكل و فعل كل ما يجعلنا سعداء.

لا أوافقك، فقد يصبح الحزن حقًا وطنًا، حين يستمر غرز الخنجر السام في قلب الامة، ولا تستطيع الحركة. في تلك اللحظات، قد يصبح الحزن مأوى لا مفر منه، يتغلغل في الأعماق ويشعر الإنسان وكأن العالم كله يثقل عليه.

الوطن يا اليثور هو وصف لأمر ما نعيش به و لكن نشعر له بالحنين و الحب. بينما الحزن ما هو إلا عامل مؤذي في حياتنا لا نشعر ابدا بالحنين له و لا نقبله.

ماذا لو كان الوطن هو ما يحيي ذلك الشعور، ويملأ القلب قيحًا؟ ماذا لو أن التغافل عنه يعد مسكنًا غادرًا، يخفف الألم مؤقتًا لكنه لا يعالج الجرح الحقيقي؟ في تلك الحالة، يصبح الوطن ليس مصدرًا للحب والحنين، بل عبئًا ثقيلًا يحمل في طياته الذكريات والآلام التي لا يمكن تجاهلها. قد يكون من الصعب تقبله كما هو، ولكن يبقى التحدي في إيجاد السلام الداخلي رغم ما يسببه من ألم.