هل يكفي أن يتعلّم طلاب المدارس القرآن والنحو والبرمجة؟!

السلام عليكم ورحمة الله،

طرحت أخت مقبلة على الدراسة الجامعية موضوعًا عن اختيار تخصص علم الحاسوب للدراسة،

وكان من ضمن ردي نقطة عن مكانة علم الحاسوب بين العلوم الأخرى وهذا ما جاء في الرد:

"يُضيع أولادنا في المدارس اثني عشر عاماً بلا فائدة ..

لكي يصبح لها قيمة:

أولاً يجب أن تختصر إلى ثمان أعوام،

وثانياً أن يدرسوا القرآن والنحو والبرمجة فقط !

هذا كل ما يلزم صدقوني

البرمجة اليوم تدخل في كل المجالات، حتى من يريد أن يستخدم إكسل على أكمل وجه فهو حقيقةً يبرمج. ومن يتعلم البرمجة سيصبح أسهل عليه أن يتميز في مجاله، فنحن نرى مهندسي المدني والميكانيك وحاجتهم إلى البرمجة، وقد كنت أتابع طبيباً مصرياً يكمل الدكتوراة في إيطاليا، ساهمت معرفته في البرمجة بالتميز في مجال الطب ودراسة الدماغ. البرمجة اليوم كل شيء.

ومن يجمعها مع القرآن والنحو، فقد جمع أفضل وعاء للفكر وهي اللغة العربية، وقوة الحجة والبرهان، والقدرة على التأصيل والفهم، والاستنباط والاستقراء، ويوجد عنده طريقة تفكير تجعل من اقتحام أي مجال علمي أو عملي مجرد قراءة كتاب، أو سماع محاضرة عن الموضوع."

وقد قام الأخ @عمر النجار بالرد على هذه النقطة بالآتي:

"لا أؤيدك في هذا يا صديقي فالعلوم أشمل وأوسع من هذا بكثير وأنت مخطيء إن كنت تعتقد أن هذه العلوم وحدها كافية لتكون البوابة الواسعة للدخول الى عالم المعرفة والعلم, فأين مثلا اللغة الانجليزية ولا يخفى على أحد اليوم كم أصبحت هذه اللغة مهمة وعالمية وهي الاساس لمن أراد التعمق والتطور في العلوم في الوقت الحاضر؟, ولن تكفي دراسة علم الحاسوب لوحده لتؤهلك للدخول الى كلية مثل كلية الطب مثلا فأنت تحتاج ايضا الى دراسة علم الأحياء مثلا والكيمياء كذلك إذا كنت ترغب في معرفة تراكيب المواد الطبية, انا لا اقف ضد علم الحاسوب ولا اقلل من قيمته لكني كذلك لا أقلل من قيمة باقي العلوم على حسابه, لكني كذلك لا أؤيد حشو الكثير من المواد العلمية وإنما التركيز مع الطلاب على* أساسيات العلوم* فقط لتكون هذه الاساسيات البوابة التي يدخل منها الطلاب الى الاختصاص الذي يرغبون به."

/141588

ولأن ذلك الموضوع سياقه مختلف، ولأهمية هذا الموضوع، آثرت أن أُنشئ موضوعًا خاصًا لنقاش هذه النقطة، وأود أن أسمع من أعضاء هذا المجتمع الراقي آراءهم، فأنيخوا بما عندك يرحمكم الله.

وكل عام وأنت بخير


التعليق السابق

قد فصّلت في ردي هذا أكثر (

وإليك بيان ما أشكل عليك:

  • نعم إن الناس ليسوا على قلب واحد، وليسوا على شخصية واحدة، فمثلًا تصنيف بريجز-مايرز يقسم الناس إلى ست عشرة شخصية مختلفة، وهذه إحدى النقاط التي ما زالت عالقة عندي في هذا الموضوع، وهي أنني أرى من الخطأ أن نتعامل مع كل الناس بنفس الطريقة، وهذا أحد الأمور الذي يجعلني أرى فساد أنظمة التعليم عندنا، إذ أنها لا تقدّر خصوصية كل فرد وطموحه (أو ما أسميه "شهوة الفكر"). لذلك بدأت أبحث عن أمور أساسية يجب أن يتعلّمها الجميع على اختلاف توجهاتهم وشخصيّاتهم،

أي أني أحاول الإجابة عن هذا السؤال: هل نستطيع أن نجد شيئًا واحدًا يعتبر الأساس لكل علم وعمل؟ وكانت الأجوبة دائمًا تعود إلى العقل والتفكير، ووعاء الفكر هو اللغة، إذ هي التي تحكم كيف يفكر الإنسان، ولأننا مسلمون وعندنا حضارة عريقة تمتد لمئات السنين، وعندنا خير الكلام، كان الاستنتاج هو القرآن والنحو.

وكما قلت للأخ عمر النجار .. ما كتبته هنا له علاقة بسياسة الدول، ويحتاج لمراكز أبحاث وصانعي سياسات لدراسته وبحثه للوصول إلى شيء يمكن تطبيقه.

  • أما موضوع هذه الثلاث، فقد أشرت إليه في ردي فوق:

"فإن دراسة القرآن والنحو، تعني دراسة اللغة العربية بشكل عام ودراسة الفقه وأصوله بشكل جزئي، وهذا يتضمن تركيب الجمل، وزيادة المخزون اللغوي عند الطالب، وأسس التفكير وعرض الحجة وإثباتها، فالقرآن بالإضافة إلى كونه مخزونًا هائلًا من الكلمات العربية، إلا أنه كتاب فكريّ من الدرجة الأولى، يوجد عند من يتدبره ويفهمه قدرة عقلية هائلة، اقرأوا فقط كيف يناقش القرآن الكافرين بعرض الحجج والبراهين ودحض آراءهم بطرق عقلية علمية، فمن النقاشات الفكرية في القرآن يتعلم الطالب أسس إنشاء الأفكار وعرضها وإثبات صحتها، ودحض ما يخالفها، هذا في أمر واحدٍ فقط، فما بالكم في الأمور الأخرى التي تطرق لها القرآن، من أمور الحكم والتشريع والمروءة والخير والكرامة، والتواضع، فهذه كلها توفّر الأرضية المناسبة للانطلاق للوصول إلى أي علم.

أما البرمجة، فربما قد أسأت التعبير عنها، فالمراد من كلامي هو تعلّم أسس البرمجة والتفكير المنطقي والحسابي، وهذا يتطلب دراسة بعض الحساب، فلا يمكن أن تدرس البرمجة إلا بدراسة المنطق والحساب، والنقطة الأهم هي تعلّم كيفية استغلال البرمجة لتسهيل تحصيل العلوم الأخرى، نظرًا لدخول الحاسوب في كل مجالات الحياة."

لذلك فالمسألة ليست تفسير القرآن، بل دراسة القرآن دراسة فكرية، وهذه تعتمد بشكل أساسيّ على المعلّم، أي أننا نريد أن يكون كل مدرّس ناظرًا في القرآن متفكرًا في آياته، وتكون أعمال المفسرين فقط إرشادية لمن يريد، فأنا ضد إيجاد تفسير واحد يتبعه كل المدرسين، بل يجب أن يعطى كل أستاذ حريّته في التدريس، فنحن لا نريد كتبًا متنقلة .. نريد مفكرين يصنعون شخصيّات متميّزة، لذلك يجب أن يكون المعلّمون على قدر عالٍ من الحرية والفكر والعلم.

ولأن الناس مختلفون متميّزون، فلكل ناظر في القرآن طريقة مختلفة، فمثلًا تفسير ابن كثير قصصيٌ من الدرجة الأولى، في حين تجد تفسير الطبري يتبع أسلوب المحدثين، وتجد مثلًا الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير يعتمد الأسلوب اللغوي، والتفسير الكبير لفخر الدين الرازي يعتمد أسلوب المتكلمين والمقارنة بين الآراء، والجامع لأحكام القرآن للقرطبيً ينظر للقرآن نظرةً تشريعية فقهية.

وهذا يقودنا إلى طرح فكرة جديدة، وهي حاجة الطلاب إلى التنقل بين المعلّمين والأساتذة، لجمع أكبر عدد ممكن من طرق التفكير.

وكما ترى، الموضوع ليس بسيطًا، وكلّما نظر فيه المرء أكثر، فُتحت له أبواب أخرى، فمن ردك فقط ظهر سؤالان جديدان يحتاج كل واحد منهما إلى موضوع خاص للبحث.