غياب الشغف بالتعلم من المدرسة إلى سوق العمل

نسمع دوماً أن خريجي الجامعات غير مؤهلين لدخول سوق العمل، ونسمع من الجامعات أن خريجي الثانوية العامة (التوجيهي) غير مؤهلين للدراسة الجامعية، والأخطر من ذلك عزوف بعض أعضاء هيئة التدريس عن تطوير ذواتهم؛ وكل ذلك يجري في ظل ثورة تقنية ومعلوماتية متسارعة.

العلّة الأساسية وراء هذه الحلقة المفرغة هي غياب الشغف، وهو ما يفرض تشخيص مواطن الخلل عبر المراحل التعليمية المختلفة.

1. الطالب في المرحلة المدرسية: علاقة غائبة وتوجيه مفقود

  • أهمية الحوار والتوجيه: يفترض بالعملية التعليمية أن تقوم على علاقة تفاعلية متبادلة؛ يناقش فيها الطالب معلمه في الدروس والأفكار، ليعينه المعلم على إنارة طريقه وتنمية ملكة الإبداع لديه.

  • غياب الرؤية التربوية: تعجز بعض الإدارات المدرسية عن إدراك أهمية هذا الرابط بين المعلم وتلميذه لمساعدته على بلوغ قمة العلم والمعرفة.

  • طغيان المعيار المالي: تحول اختيار المسارات التعليمية نحو تحقيق الدخل والمال بدلاً من الارتقاء بالعلم وتطويره، رغم توافر أدوات التعلم الذاتي وحلول الذكاء الاصطناعي التوليدي للأفكار.

2. معضلة اختيار التخصص الجامعي

تشهد مرحلة ما بعد الثانوية ارتباكاً كبيراً في تحديد المسار الأكاديمي، وتتجلى أبرز نماذجها في:

  • التردد والتبعية: اختيار التخصص في اللحظات الأخيرة بناءً على آراء الآخرين واعتبارات العائد المالي السريع أو سهولة الدراسة، ليفاجأ الطالب لاحقاً بعدم رغبته فيما اختار.

  • ضغط التوقعات الأسرية: إجبار الطلاب المتفوقين على دراسة الطب أو الهندسة لمجرد الحصول على معدل مرتفع؛ وقد يتفوق الطالب إرضاءً لعائلته، ثم يعود بعد التخرج لدراسة شغفه الحقيقي.

  • الخوف على المعدل التراكمي: انسحاب بعض الطلاب أو تغيير مساراتهم لمجرد مواجهة مواد صعبة، خشية هبوط المعدل الذي يمثل واجهتهم أمام المجتمع.

  • نموذج الشغف والتطور: طالب ينمو حب التخصص معه منذ الصغر، يعزز دراسته بالبحث والمراجع الذاتية، ويتقبل الإخفاق ليصوب مساره بتوجيه من أساتذته، مما يمهد له اندماجاً مهنياً سلساً وناجحاً.

3. الهيئة التدريسية وضرورة التطوير المستمر

  • مواكبة التغيرات: يحتاج المعلم إلى صقل وتطوير دائم لمهاراته لمواكبة العصر وتمييز نفسه عن النمطية التقليدية.

  • الفرق بين التلقين والإلهام: هناك بون شاسع بين معلم يكتفي بحرفية المنهاج وأستاذ يكرر نفس المحاضرة لسنوات، وبين معلم يطرح التساؤلات، ويربط المفاهيم بالواقع، ويحدّث معارفه باستمرار.

المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في تسارع حركة العالم، بل في وهم القدرة على الثبات في مكاننا بينما كل شيء يتحرك: فالطالب يحتاج إلى شغف يدفعه للاكتشاف، والمعلم يحتاج إلى شغف يوجه به تلاميذه، والأستاذ الجامعي يحتاج إلى شغف يدفعه لمواصلة التعلم قبل أن يطلبه من الآخرين.


التعليق السابق

أتفق معك تماما، وأعتقد أن جوهر المشكلة يرتبط بحالة المعلم والمتعلم معا، لأن فقدان الشغف لدى أحدهما ينعكس بشكل مباشر على الآخر. صحيح أن تحفيز الطالب قد يكون أسهل نسبيا من خلال الأسرة والأستاذ والبيئة التعليمية، لكن المعلم أيضا يحتاج إلى من يجدد دافعيته ويمنحه فرصا للتطوير حتى لا يتحول التعليم مع مرور السنوات إلى مجرد أداء روتيني للواجب.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نعمم، فهناك أساتذة وطلبة يثبتون يوميا أن الشغف يمكن أن يعود متى توفرت الرغبة في التعلم والتجديد. الجميل في هؤلاء أنهم لا ينتظرون تغيّر الظروف، بل يطورون أنفسهم ويبحثون عن أساليب جديدة ويعملون على اكتشاف قدرات الطالب الكامنة. وربما هنا تكمن البداية الحقيقية لإحياء الشغف: أن يستعيد المعلم شغفه بالتطوير، فينتقل هذا الشغف تلقائيا إلى المتعلم.