من أجمل الحكم المنسوبة لواصل ابن عطاء قوله :" أشدُّ عيوب المرء جهله بعيوبه، ولا شيء في الأمم أشدُّ فتكاً من الجهل".
في ظل الضجيج الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي، ومع اتساع ساحات النشر وتراجع الضوابط المعرفية، برزت ظاهرة الغثائية الثقافية، وتنامت معها دعاوى التعالم في مختلف حقول المعرفة الإنسانية والعلمية. وأمام هذا المشهد المتشابك، يلحّ سؤال عميق لا يخلو من المفارقة: هل يستطيع الجاهل أن يميّز بين العالم والمتعالم؟
تكمن إحدى المعضلات المعرفية الكبرى في أن الإنسان يحتاج إلى قدر من العلم حتى يتمكن من التعرف إلى العالم الحقيقي وتمييزه عن المدّعي. فمَن يجهل الطب يصعب عليه أن يفرّق بين طبيب راسخ جمع بين المعرفة والخبرة، وآخر لا يملك سوى الحد الأدنى من التأهيل. ومن لم يدرس أسس الرياضيات ومناهجها لا يستطيع أن يتحقق من صحة برهان رياضي أو أن يدرك عمق نظرية علمية. ولهذا فإن الجهل لا يحرم صاحبه من المعرفة فحسب، بل قد يسلبه أيضاً القدرة على معرفة من يملك المعرفة.
ومن هنا تتجلى خطورة الظاهرة؛ إذ إن الجاهل غالباً ما يبني أحكامه على مؤشرات خادعة لا تمت بصلة إلى الكفاءة العلمية. فهو ينجذب إلى الثقة الزائفة التي يتسلح بها المتعالم، وإلى قدرته على الخطابة وحسن العرض، أو إلى شهرته واتساع دائرة متابعيه، بل ربما إلى هيئته الخارجية وما يصنعه من هالة إعلامية حول نفسه. وهذه كلها مظاهر خادعة قد تمنح صاحبها النفوذ والتأثير، لكنها لا تمنحه بالضرورة العلم ولا تؤهله لأن يكون مرجعاً معرفياً. بل إن بعض المدّعين قد يفوقون العلماء الحقيقيين قدرةً على الإقناع والتأثير في العامة، لأن الخطابة ليست دليلاً على صحة الفكرة، والشهرة ليست برهاناً على الرسوخ العلمي.
واللافت للنظر أن العلماء أنفسهم يمتلكون قدرة فريدة على التعرف إلى نظرائهم، حتى وإن اختلفت تخصصاتهم. فالفيزيائي قد لا يستطيع مراجعة بحث طبي معقد، كما أن الطبيب قد لا يملك الأدوات التي تؤهله للحكم على برهان رياضي دقيق، إلا أن كليهما يستطيع أن يلحظ السمات العامة للعقل العلمي؛ تلك السمات التي تتمثل في الدقة، والانضباط الفكري، واحترام الأدلة، والقدرة على بناء الحجة، والابتعاد عن الأحكام المطلقة والادعاءات المتعجلة.
ولهذا يشترك العلماء الحقيقيون، على اختلاف ميادينهم، في لغة فكرية ومنهجية واحدة. فهم يدركون قيمة البرهان، ويؤمنون بأهمية الشك المنهجي، ويعرفون حدود المعرفة البشرية، ويزدادون تواضعاً كلما اتسعت آفاق علمهم. ولعل هذا المعنى هو ما تعبر عنه المقولة المنسوبة إلى آينشتاين بأن العلاقة بين المعرفة والغرور علاقة عكسية؛ فكلما ازداد الإنسان علماً، ازداد وعياً بحدود ما يعلم، وكلما اتسعت دائرة جهله بما يجهل، ازداد تواضعاً واحترازاً في أحكامه.
وهذه الملكات التي يكتسبها أهل العلم والخبرة تجعلهم أكثر قدرة على التمييز بين العلم والوهم، وبين الحقائق والخرافات، وبين المنهج الرصين والادعاءات الجوفاء. أما من يفتقر إلى هذه الأدوات، فإنه يصبح أكثر عرضة للانبهار بالمظاهر والانقياد خلف الأصوات المرتفعة.
ومن هنا تنشأ مفارقة معرفية بالغة الأهمية؛ فإذا كان الإنسان جاهلاً بمجال معين، فكيف يستطيع أن يميز بين العالم والمتعالم؟
إن الجواب لا يكمن غالباً في الحكم المباشر، بل في الاحتكام إلى أهل الخبرة، والرجوع إلى المؤسسات العلمية الرصينة، والنظر إلى التقييم المتبادل بين المتخصصين، فالعلماء هم أقدر الناس على تقويم بعضهم بعضاً، لأنهم يتحدثون بلغة المنهج ذاتها، ويحتكمون إلى المعايير نفسها.
ونصل من ذلك إلى حقيقة جديرة بالتأمل، وهي أن معرفة العالم تحتاج إلى قدر من العلم. فإذا غاب هذا القدر، أصبح التمييز بين العالم والمدّعي أقرب إلى الانطباعات والعواطف والولاءات الشخصية منه إلى المعرفة الحقيقية. فالعالم يرى في العالم منهجه قبل أن يرى تخصصه، بينما قد لا يرى الجاهل إلا الشهرة، وقوة التأثير، وكثرة الأتباع.
ولهذا كان العلماء أقدر الناس على معرفة العلماء، وكان الجهلاء أكثر الناس عرضة للوقوع في شباك المتعالمين. ولعل أخطر ما يفعله الجهل بالإنسان أنه لا يحجب عنه الحقيقة فحسب، بل يحجب عنه أيضاً القدرة على معرفة من يحملها.
التعليقات