كيف اخترت مجالي من الهندسة والحاسبات؟

قبل حوالي خمس سنوات كنت أقف في نفس الحيرة التي يمر بها الكثير من الطلاب، هل أختار كلية الهندسة أم الحاسبات؟ وبالطبع الجيل القديم نصحني بالهندسة والجيل الأحدث قال لي إن حاسبات هي المستقبل، وفي النهاية قادني الطريق إلى كلية الحاسبات قسم علوم البيانات.

أتذكر جيداً كيف كان يتم الترويج للمجال وقتها، كانت الجملة الأكثر رواجاً حينها هي أن البيانات هي بترول العصر الحديث، وأن رواتب المبتدئين في أمريكا تصل إلى 120 ألف دولار سنويا. شعرت بالحماس شديد حينها لدخول هذا العالم الواعد الذي تم تصويره كمنجم ذهب مستقبلي.

لكن من خلال تجربتي الفعلية في الكلية، اكتشفت أن الواقع مختلف. هذا الجانب المادي الخيالي ربما يكون حقيقياً في أمريكا، لكن هنا فرص العمل والمهارات المطلوبة تحتاج إلى علم غزير وتعب حقيقي.

عندما أجلس اليوم مع زملائي الذين اختاروا الهندسة لعراقة اسمها، خاصة وأن كلية الحاسبات في مدينتي تعتبر حديثة نسبياً، نضحك كثيراً على شغفنا القديم وتلك المقارنات التي أرهقتنا. جميعنا اكتشفنا في النهاية أن المسارين يتطلبان نفس الكفاح، فصحيح أن الهندسة تتميز بتأسيس قوي ودراسة مرهقة تمتد لخمس سنوات مقارنة بأربع في حاسبات، إلا أننا اتفقنا على أن الاجتهاد الشخصي وتطوير الذات هما الفيصل الحقيقي.

بل إننا نرى في سوق العمل زملاء لم يحالفهم الحظ بمجموع الهندسة أو الحاسبات، فاتجهوا للتعليم الذاتي أو كليات أخرى، وأصبحوا اليوم أنجح مادياً وعلمياً من أشخاص كثيرين كانوا معنا في نفس الدفعة.

اليوم، وبعد خوض التجربة والعمل الفعلي، تأكدت أن المسميات والألقاب لا تصنع أي فارق إذا كنت لا تحب ما تفعله. اختيار التخصص لا يجب أن يُبنى فقط على الشعارات الرنانة، بل على فهم طبيعة المجال ومدى قدرتك على العطاء فيه، لأن البريق الخارجي يزول سريعاً، ولا يتبقى سوى الجهد اليومي.


مررتُ بنفس الحيرة منذ عام تقريبًا. كنتُ في الثانوية العامة شعبة علوم، وكان مجموعي مرتفعًا بما يكفي لدخول إحدى الكليات الطبية، لكن الله اختار لي طريقًا آخر.

كنتُ محتارًا بين الاستمرار في المجال الطبي أو دخول كلية الحاسبات. وفي النهاية اخترت الحاسبات، لأن أخي متخرج منها وكذلك أبناء عمي، فظننت أنني سأجد نفسي في الطريق نفسه.

لكنني صُدمت بحجم التشتت الموجود في هذا المجال، وبكمية التخصصات والتغيرات المستمرة فيه. استغرقت وقتًا طويلًا حتى أتقبل ذلك، ومع كرهي لبعض مواد الكلية وأسباب أخرى كثيرة، بدأت أبحث عن تخصص أشعر أنني أنتمي إليه، لكنني ما زلت تائهًا.

أنا جيد في البرمجة، لكنني كثيرًا ما أشعر بالإحباط عندما أقارن نفسي بمن هم أكثر خبرة مني. حتى في الـ Problem Solving كنت أستطيع حل المسائل المتوسطة، لكنني كنت أرى أشخاصًا يستنتجون الأفكار والعلاقات الرياضية المعقدة بسهولة، فأشعر أنني متأخر عنهم.

يزيد حيرتي أن الجميع ينصحني بأن أختار تخصصًا واحدًا وأتمسك به حتى النهاية، لكنني لا أفهم كيف يصل الإنسان إلى هذا اليقين. هل سأقضي سنوات أجرب حتى أجد ما يناسبني؟ أم أن الأمر أبسط مما أتصور؟

في نظري، كل تخصص هو عالم كامل يحتاج إلى سنوات من التعلم والتعمق، ولذلك أخشى أن أختار طريقًا ثم أكتشف لاحقًا أنني كنت أريد غيره.

أنظر أحيانًا إلى أخي الذي يعمل في مجال الـ Backend وأتساءل: هل أسلك الطريق نفسه لأن فرصه أوضح؟ أم أبحث عن شيء أميل إليه أنا حتى لو كان طريقه أقل وضوحًا؟

كما أن كثرة المعلومات على الإنترنت أصبحت مصدر تشتيت أكثر من كونها مصدرًا للمساعدة. كلما بحثت أكثر وجدت آراء ومسارات أكثر، فأزداد حيرة بدلًا من أن أقترب من الإجابة.

من المجالات التي تثير اهتمامي الأمن السيبراني، لكنني لا أجد حولي أشخاصًا ذوي خبرة يمكن التعلم منهم أو الاستفادة من تجاربهم.

أنا مريت بنفس تجربتك بالمللي، ولذلك لا أستطيع أن أصف لك مدى فهمي لكل كلمة كتبتها. لقد تخصصت في مجال علوم البيانات، وهو مجال واجهت فيه الكثير من التفاضل والاحتمالات، وكنت في البداية تائهاً و محتاراً في الاختيار بين مجالات الويب، وتطبيقات الموبايل، والفرونت إند، والباك إند، والأمن السيبراني. بالنسبة للباك إند فهو بالفعل مجال قوي وفيه فرص عمل حقيقية، وستسمع كلاماً كثيراً عن تكدس أعداد المبرمجين في الفرونت إند، لكن نصيحتي لك، ورغم وجود من هم أكثر مني خبرة وعلماً بكثير، هي أن تختار مجالاً تحب تعلمه وتحب العمل فيه لتستطيع السعي والاستمرار فيه. بالتأكيد يجب أن تلقي نظرة على مواقع التوظيف للتأكد من وجود طلب حقيقي على المجال في السوق، لكن الأهم ألا تختار مساراً لا تحبه لمجرد أنه مطلوب. وبما أنك قادم من شعبة علمي علوم، فمن الطبيعي ألا يكون مستواك في الرياضيات في أفضل حالاته في البداية، حتى لو درست مادة تأهيلية مثل ماث زيرو، فهذا أمر متوقع ولا يجب أن يحبطك إطلاقاً. في النهاية، الأهم من كل هذا هو أن يوفقك الله ويكتب لك الخير في أي طريق تختاره.