في الآونة الأخيرة، انتشر مصطلح "تطوير الذات" بشكل كبير، وتحول من مجرد نصائح عابرة إلى علم ومنهج حياة متكامل. وبالرغم من ثقل الموضوع في الساحة المعرفية، إلا أنه ينطوي على عدة جوانب خاطئة وأبعاد وهمية لا صحة لها على أرض الواقع؛ ففي زمن يرغب فيه الجميع بتعديد المهارات، يبقى "العمق المهني" هو الضمان الوحيد لإنجاز حقيقي.
درس من تاريخ "أبل"
في عام 1997، كانت شركة "أبل" على شفا الإفلاس التام، وتفصلها 90 يومًا فقط عن إغلاق أبوابها للأبد. في تلك اللحظة الحرجة، عاد ستيف جوبز ليجد الشركة غارقة في إنتاج عشرات الموديلات من الحواسيب، والطابعات، وحتى الأجهزة المنزلية، ظنًا منهم أن "التنوع" هو سر البقاء. دخل جوبز قاعة الاجتماعات، وبدلًا من إلقاء خطاب طويل، ألغى أكثر من 350 منتجًا في لحظة واحدة. سألوه: "ألا تخشى ضياع الأفكار الجيدة؟" فرد بجملته الخالدة: "التركيز لا يعني قول نعم للأشياء التي نركز عليها، بل يعني قول (لا) لمئات الأفكار الجيدة الأخرى". بهذا "العمق" وهذه الـ "لا" القوية، ولدت أجهزة (iMac) و(iPhone) التي غيرت العالم. لم ينجح جوبز لأنه فعل كل شيء، بل لأنه امتلك الشجاعة ليفعل شيئًا واحدًا بإتقان مطلق.
فخ التعدد: بدايات لا تنتهي
اليوم وبعد قرابة 30 سنة من هذا الحدث، ما زال العديد من الشباب يسعى وراء وهم تطوير الذات وتعديد مهاراته، ولهذا تأثيرات سلبية على جوانب كثيرة؛ فتطوير الذات وتعدد المهارات لا يفضي غالبًا إلا إلى البقاء في بدايات المشوار، ويجعل المرء مجرد مبتدئ دائم في جميع المجالات، في حين أن الخبرة والتركيز على عمل واحد يساعد في توفير مناصب شغل أكثر والعمل بكفاءة أكبر، بعكس "التشتت" الذي يؤدي إلى ضعف الإنتاجية. ولتتطور واقعيًا؛ احصل على المعرفة في نفس صلب المهنة وظيفتك أو تخصصك الجامعي؛ فمن غير المنطقي السعي وراء معارف أخرى وأنت تفتقر للإلمام بمعلومات تخصصك التي تُقيَّم بها مهنيًا.
العمق المهني: أمانة أخلاقية وميزة تنافسية
فالتطوير الحقيقي ليس جمع معلومة من كل مجال، بل في الغوص عميقًا في المجال. فالعالم اليوم لا يحتاج لمن يعرف قليلًا عن كل شيء، بل يحتاج لمن يتقن كل شيء عن تخصص واحد؛ هذا العمق هو الذي يصنع الفارق المهني ويمنحك الميزة التنافسية في سوق العمل، وهذا فعل يجسّد قول الرسول الله ﷺ: "إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عمِل أحدُكم عملاً أنْ يُتقِنَه".
وفي نفس السياق، هذا العمق ليس خيارًا مهنيًا فقط، بل هو أمانة أخلاقية بدرجة أولى؛ ففي مهن كالطب أو التعليم لا مكان لأنصاف معارف؛ لأن الخطأ الناتج عن تشتت لا يصلحه تعدد مهارات في مجالات أخرى.
الوجه الخفي لـ "تعدد المهارات": استراتيجيات الاستنزاف
كما إن الترويج لتعدد المهارات ليس مجرد نصيحة بريئة، بل هو أحيانًا استراتيجية تتبعها الشركات فيما يعرف بالاستغلال تحت ستار التدريب حيث تحصل الشركات على خدمات مجانية من الشباب مقابل وهم الخبرة، مع إلقاء عبء تعليمهم على الموظفين القدامى كنوع من "إغراق الوظائف" بلا مقابل مادي.
والإشكالية الحقيقية في وهم التطوير تكمن في استنزاف الطاقة النفسية؛ فالانتقال المستمر بين المهارات السطحية يمنحنا شعورًا كاذبًا بالإنجاز وهذا ما يسمى بـ "فخ الدوبامين"، بينما الحقيقة تجد نفسك لم تخطُ حتى خطوة نحو النجاح، وأغلب هذه الدوافع تكون مجرد تأثير من عالم خارجي؛ فكثير من الناس ينجر وراء رغبات زائفة لمجرد تأثره بفيديو لا يتعدى دقيقة، وبدلًا من تسليط طاقته على هدف حقيقي، يتبع سراب إنجازات الآخرين.
وفي الختام، يظل تطوير الذات عمقًا مهنيًا لا مجرد معرفة سطحية، ومن الخطر أن يسلب بريقُ تعدد المواهب لذة الإتقان فالنجاح في النهاية ليس بكم المعرفة بل بمدى الإتقان.
التعليقات