لم أدخل عالم الحساب الذهني السريع مبهورًا، ولا خرجت منه مؤمنًا بأنه يصنع العباقرة.

دخلته بصفتي معلّم رياضيات، وخرجت منه بصفتي أبًا تعلّم درسًا أعمق من الأرقام.

الفكرة يومها لم تكن محلية؛ جاءت مع أستاذ من الخارج، وسُوِّق لها بعبارات لامعة تختصر الطريق:

«ضعه طفلًا وخذه عبقريًا».

شعار جذاب، لكنه — تربويًا — شديد الاختزال.

تجربتي داخل الصف

درّست البرنامج، راقبت، قيّمت.

رأيت سرعة… نعم.

لكنني لم أرَ فهمًا ينمو، ولا تفوقًا يتجذّر.

الطالب يحسب، لكنه لا يشرح.

ينجز، لكنه لا يحلل.

يحفظ نمطًا، لا يبني منطقًا.

وهنا تشكّلت قناعتي:

الحساب الذهني مهارة مساندة، لا قاعدة تفوق.

وأي برنامج يبيع السرعة على أنها ذكاء، يبيع وهمًا تعليميًا.

ثم جاءت المفاجأة… من خارج الصف

رغم هذه القناعة، وجدت نفسي أمام تجربة مختلفة تمامًا عندما انتقل البرنامج إلى نادي مدرسي في مدرسة أولادي.

لم يُقدَّم هناك كمنهج خلاص، بل كـ:

مساحة مشاركة

ساحة منافسة

تجربة علنية

منصة وقوف أمام الآخرين

مشاركات على مستوى الإقليم،

مسابقات داخل قاعات جامعية،

طالب يقف في مدرج جامعة، أمام لجان تحكيم وجمهور، يخوض تجربة أكبر من عمره وأكبر من مسألة حسابية.

هنا لم أسأل:

هل البرنامج عميق؟

بل سألت:

ماذا يتعلّم الطفل من الوقوف هنا؟

لماذا وافقت على مشاركة أولادي؟

وافقت رغم عدم قناعتي بالبرنامج، لا بسببه.

وافقت لأنني رأيت:

ثقة تُبنى

رهبة تُكسر

طموحًا يتشكّل

وطفلًا يكتشف نفسه في سياق حقيقي

وعندما حضرت إحدى المسابقات، ذهلت بعدد الطلاب، بحجم التنظيم، وبأن الفائزين مدعوون للمشاركة في منافسات على مستوى القطر العربي.

لم يكن المشهد عن حساب سريع،

بل عن أثر بعيد.

الدرس الحقيقي

ما صنع الفارق لم يكن الحساب الذهني،

بل الإطار الذي وُضع فيه.

النادي…

المنصة…

الجمهور…

التحدي…

ولو أزلنا البرنامج وأبقينا هذه العناصر،

لبقي الأثر… وربما ازداد.

الخلاصة التي أؤمن بها اليوم

ليست كل فكرة مستوردة خاطئة،

ولا كل شعار تسويقي صادق.

«ضعه طفلًا وخذه عبقريًا»

عبارة جذابة… لكنها لا تصنع عبقرية.

ما يصنع الطفل:

بيئة تحترمه

تجربة تتحدّاه

منصة تُظهره

ومعلم يعرف أن التفوق لا يُقاس بالسرعة، بل بالأثر.

وهنا فقط،

تصبح بعض البرامج — حتى التي لا نؤمن بها —

وسيلة… لا وهمًا.