ما سبب عجز المدارس العربية في ترسيخ مهارة الابداع؟

من خلال عملي كمعلمة لاحظت أن بيئة التعلم نفسها غير محفزة لمهارة الإبداع، حيث يجد المتعلم نفسه في مهمة صعبة إذا ما طولب بعملية إبداعية، ولا يكاد ينجز أي نشاط إلا بوجود مؤشرات تدل على العمل عليه، ما يدفعه إلى تبني أسلوب سلوكي يرتبط بالعمل المصاحب للإرشاد، فيكون في نهاية المطاف مستهلكا للمعارف لا مساهما في إنتاجها، إن المتعلم العربي في فصولنا الدراسية يعتقد أن دوره يتجلى في استيعاب وفهم المكتسبات المعروضة في قسمه، كما أنه يتخيل أن مكتشف المعارف مخلوق خارق يصعب بلوغ مقامه.

إن المتعلم داخل الفصل يجعل أهدافه تقتصر على لم وجمع المعارف بغية التمكن من الحصول على مرتبة عليا أثناء فترة الاستحقاقات، فهو لا يستشعر البتة أنه مطالب باكتساب مهارة الإبداع، فتجدها بعيدة عن أهدافه.

 فما الإبداع؟ و ما الذي يعوق تحقيق هذه الكفاية الإبداعية وسط مؤسساتنا التعليمية؟ كيف نحثهم على كسب حس هذه المهارة؟

يمكن تعريف الإبداع على أنه القدرة على تكوين وإنشاء شيء جديد، أو دمج آراء مختلفة في صورة جديدة. ويتمثل ذلك في استخدام خيال المتعلم بغية الوصول إلى منتوج ما.

سأسلط الضوء معكم على أهم الأسباب التي أستشفها يوميا داخل الفصل، وأجدها عوامل رئيسية لضياع هذا الكنز:

 # عدم توفر الوسائل التعليمية التي تساعد المتعلم على تلمس المفهوم و خوض تجربته، بدل التلقي الذي يجعل المتعلم حاملا للبضاعة إلى موضع الامتحان.

 # قمع حرية التعبير لدى المتعلم أثناء نقده لنقاط يراها المدرس والمجتمع مسلمات لا تناقش.

 # غياب الأنشطة المدرسية والنوادي التربوية التي تستغل طاقة المتعلم الزائدة في استكشاف ذاته و مهاراته.

 # تخلي الأسرة عن دورها في مواكبة أبنائها على تنمية قدراتهم المعرفية.

 # وجود هوة شاسعة بين المجتمع الذي يعيش فيه المتعلم وما يتعلمه داخل المدرسة، ما يجعل المتعلم يظن أن ما يتعلمه لا علاقة له بالواقع المعاش.

 # غياب التكوينات المستمرة للأساتذة.

 هل ترى هناك أسبابا أخرى حالت دون تحقيق الإبداع؟ وماذا تقترح كحل لهذا الإشكال؟ 


أحد أسباب التي تحول دون الإبداع هي بعد المدرس عن الطالب، أو بصور أوضح وضع مليون حاجز يحول بينه وبين الطالب، مما يولد لدى الطالب رهبة من البيئة التعليمة كاملة، وبالتالي يقتصر على ما ورد في الكتاب الوزاري فقط.

ثانيا، إنّ مواضيع التعليم التي توضع قد تكون غير ملائمة، مما يخلق جو كئيب وملل داخل الفصل، وأيضًا تحول دون مقدرة الطالب على التفكير في أن يبدع، لذلك الأولى على الوزارات أن تضع بعين الاعتبار اختلاف الجيل وتطوره في وضعها للمناهج.

اما الحل برأي، فهو استخدام الوسائل الأقرب إلى الطالب في خلق بيئة تعليمية، والإنحياز إلى الجانب العملي أكثر من النظري.

صحيح ما تفضلت به، غير أن أحدث البيداغوجيات تدعو المدرس إلى ألا يتدخل في بناء المعرفة، فهو يقتصر دوره على توفير فضاء مناسب للتعلم و توجيه المتعلمين حتى لا ينحرف مسار تعلمهم. و بالتالي فالمعرفة يبنيها المتعلمون فيما بينهم من خلال المناقشة.

عطفا على ما ذكرت في قضية الملل، ما رأيك في إشكال أن بعض المواضيع تستهوي طلابا و تجعل في المقابل طلابا آخرين يشعرون بالضجر و الملل تجاه نفس الموضوع الذي اسحسنه آخرون؟

بعض الدول الأوروبية كألمانيا، تبدأ بتصنيف الطلاب حسب رغباتهم وميولهم العلمية من مراحلهم الابتدائية، فيخرج الطالب إلى مرحلته الإعدادية أو الثانوية وهو في الطريق لتحديد ميولهم.

أتوقع لو تمت تجربة هذا الأمر في المدارس العربية، فسيكون هناك مستقبل واضح أمام الطلاب، على سبيل المثال، قد يكون هناك طال ميوله العلمي يتجه نحو الميكانيكا، ولكن معدله في الثانوية العامة يعادل معدل الطب في الجامعات، فيجبره أهله على دراسة الطب. وهنا نجد أن ميوله العلمي قد انعدم.

أما في حالة تحديد المدارس لميول الطالب من بداية الأمر، ووضعه في صفوف علمية حسب ميلوه، فإنه سيوفر على حاله عناء تحديد مستقبل مجهول الهوية. أو مستقبل محدد حسب ما يريده مجتمعه.

لا أستطيع تعميم هذه الأسباب يا ياسمين، فلدينا مثلًا نموذج منتشر بشكل كبير في العالم العربي لا يمكنني فهمه، وهو نموذج تعليمي يتيح فيه النظام التربوي تطاول الطالب على المعلّم وانعدام ثقافة الاحترام والانضباط بينهما، ويتأتّى ذلك من الموقف المهزوز وغير المستقر الذي يضع النظام التعليمي المعلّمَ فيه. من حيث العائد المادي بالذات، يجد المعلم في عالمنا العربي العديد من الصعوبات، والتي بدورها تدفعه إلى الدروس الخصوصية والأشغال الجانبية وخلافه، ممّا يضع علاقته بالطلاب في أطر أكثر ارتباكًا وأقل تكريمًا لدوره، وبالتالي لا يستطيع أن يحافظ على صورته. لذلك أرى أن الدعم المالي للتعليم في الوطن هو النقطة الفاصلة.

صحيح الدعم المالي للتعليم له دوره، ولكن هل هذا يعني أن يتم ظلم الطالب من حقه في الإبداع لأسباب هو خارج نطاقها!

من يتحمل مسؤولية ظلمه الطالب؟ هل المدرس الذي يجتهد باستخدام الوسائل المتوفرة لديه أم في المؤسسات التي لم توفر له أجواء و وسائل مناسبة للتعلم؟

الحكومة هي التي تتحمل المسؤولية، لا المدرس، وأنا لم أضع المدرس في موضع الظالم، بل تحدث من جهة أخرى أنّ الطالب وقع أيضًا ضحية هنا.