14

التعلم الذاتي لغير المتعلمين, كيف أبدأ التعلم العصامي؟

لا نحظى بهذه الحياة بنفس الفرص, وقد نرغب في تعلم ودراسة أمور لم تسنح لنا الظروف لها, إما من باب الشغف والتوسع المعرفي أو لتحقيق أهداف اقتصادية أو لمآرب أخرى...ولكن السؤال الذي قد يحيرنا عندما نرغب في التعلم الذاتي هو كيف أبدأ؟ فكثيرة هي تلك البدايات الخاطئة التي تؤدي بصاحبها لمعارف مشوهة, قاصرة وأحيانا خاطئة.

  • مصادر التعلم الذاتي:

عديدة ومتنوعة, ومتوفرة بشكل مجاني أحيانا, كتب ومقالات ومساقات مفتوحة MOOC إلا أن العديد منها غير ذي مصداقية, لذا كان من الأهمية بمكان أن يتم التأكد من المصادر.

-الكتاب: هل هو صادر عن دار نشر؟ أم مجرد كتاب نشره صاحبه على الانترنت؟ وبالتالي لا يمكننا التأكد من شهادته الأكاديمية وحقيقة إلمامه بالمجال, قد تكون معلوماته كلها خاطئة, عكس كتب دار النشر التي تتأكد من صفة الكاتب والنبذة الشخصية عنه.

ليس تقليلا من الكتب التي ينشرها أصحابها عبر الانترنت, فبعضها عبارة عن كنز معلومات... ولكنها قد تكون جيدة كخطوة ثانية بعد اكتساب المعرفة الأولية بالمجال, وبالتالي القدرة على التمييز بين الغث والسمين.

-المقالات: هل هي صادرة عن موقع أكاديمي موثوق؟ كلنا ننشر المقالات ولكن هل كلنا متخصصون ونعرف عما نتحدث؟ كثيرا ما نهرف بما لا نعرف أليس كذلك؟ وبالتالي وجب التأكد من مصدر المقال, يمكنني أن أنشر لك مقالا باسمي الثلاثي الكامل وصورتي وأنا أبتسم بكامل أناقتي وتحتها البروفيسور جواد, في حين لا الاسم حقيقي ولا الصورة صورتي ولا الصفة أيضا, أو أنني مجرد مهووس شهرة أنتحل الصفات اليوم طبيب غدا محامي...

يجب إذن التأكد من مصداقية الموقع الذي نُشر به المقال وليس البحث عن اسم كاتب المقال, لأنه يمكن أن يكون منتحلا من طرف شخص آخر, المواقع الأكاديمية عديدة, كمواقع المؤسسات الجامعية والمجلات العلمية والشركات المهتمة بمجال التعليم....

-مساقات مفتوحة: المساقات المفتوحة هي مصدر جد رائع للتعلم, سواء المجانية منها أو المدفوعة, فهي تكون مصصمة بشكل منهجي يحاكي أسلوب التدريس الأكاديمي إلا أنه يتميز عنه بالتركيز المكثف على المهارة المرغوب تعلمها...مواقع التعلم عديدة وأغلبها بمصداقية لشهرتها, إلا أنه وجب التأكد من موثوقية المواقع الجديدة أو المغمورة التي تقدم هذه الخدمات.

-مصادر أخرى: قد توجد مصادر أخرى أقل مصداقية كفيديوهات اليوتيوب والكتب التي ينشرها أصحابها والمقالات المنشورة هنا وهناك...ونحوه وإن كانت أيضا مصادر جيدة ولكنني أراها تأتي بالمقام الثاني لصعوبة التحقق من مصداقية العديد منها.

  • كيف أبدأ؟

والآن السؤال الأهم كيف أبدأ؟

أريد تعلم البرمجة.

أريد تعلم علم النفس.

أريد تعلم الخياطة.

.....

ماذا أفعل؟

أحيانا يطرح البعض مثل هذا السؤال فلا يلقى ردا من طرف المختصين ليس تجاهلا أو كبرا ولكن لأن المتعمقين للمجالات يرون السؤال قاصرا ولا يعتقدون أن بإمكانهم مساعدتك, قد يرد عليك البعض بجواب: ماذا تريد أن تتعلم من البرمجة؟ حدد بالضبط... علم النفس بحر شاسع ماذا تريد أن تدرس؟ علم نفس تربوي؟ علم نفس سريري؟ شيء آخر؟

حينها نكتشف أننا لا نعرف بأننا لا نعرف, وأن الجهل بالمجال الذي نرغب في تعلمه جد معقد.

  • مدخل لعلم (....):

إن كان ما ترغب في دراسته علم يُدرس أكاديميا فإن عليك البحث عن الكتب والمساقات التي عنوانها "مدخل إلى..." فهو الذي سيقدم لك معلومات شاملة حول المجال, إذ المدخل هو البوابة الرئيسية لأي علم, وبالتالي يمكنك انطلاقا من هذا المدخل التخصص في دراسة ما يستهويك.

  • تعلم (...) للمبتدئين:

أحيانا يكون ما نرغب في تعلمه مهارة أو حرفة, لا نجد له أي كتب أو مصادر عبارة عن مدخل, كالحرف اليدوية مثلا, لذا نستبدل عبارة "مدخل" "بالمبتدئين".

  • 101:

إن كنت تجيد اللغة الانجليزية فيمكنك البحث عن أي موضوع عن طريق كتابة رمز 101 وهو النظام الترتيبي للمستويات الأكاديمية بالولايات الأمريكية المتحدة, ف101 تعني السنة الأولى, و201 السنة الثانية و301 السنة الثالثة وكل سنة بها عدة مستويات, مثلا السنة الأولى المستوى الأول من الدرس 101 المستوى الثاني من الدرس 102 وهكذا...

إذن يمكنك إن كنت تجيد اللغة الانجليزية التدرج بدراسة أي موضوع ترغب فيه بشكل أكثر سلاسة, وهذا لا يلغي شرط المصداقية والموثوقية فالمواقع الأجنبية بدورها تعج بالترهات.

والآن عزيزي القارئ هل لك تجربة مع التعلم الذاتي؟ هل لك رغبة في ذلك مستقبلا؟ وماهي المصادر أو المنهجية التي تقترحها؟


على سبيل الصراحة لا أحسب أنني امتلك تجربة تعلم ذاتية ناضجة بالقدر الكافي لمشاركة اي نتائج نافعة او نصائح، ولكني أمتلك محاولات امتدت لعدة سنوات من التركيز على محاولة التعليم الذاتي، ومن تلك المحاولات المليئة بالفشل أظنني أدركت الكثير من الأخطاء والمشكلات التي يقع فيها كثير من الناس عند محاولة بدء التعلم الذاتي.

المشكلتان الأكبر في التعلم الذاتي هي الشتت ، وعدم الالتزام.

بشأن التشتت فتنوع مصادر التعليم خارج السياقات الأكاديمية هي ميزة دون شك، ولكنها كذلك تدعو للتشت في احيان كثيرة، وبشكل خاص في ظل غياب المنهج الواضح الذي يرتقي بالمتعلم من المستوى المبتدئ إلى المتقدم، ويمكن طرح عدة حلول للنقاش في هذا الجانب ولكن قبل ذلك اسمحوا لي بالانتقال لنقطتين.

بشأن عدم الالتزام والتسيوف فذلك في الغالب أحد أكبر المشكلات التي تواجه الناس بشكل عام، وغالبا هي النقطة الفارقة بعد توفيق الله بين من يحققون النجاحات ومن يبقون في أماكنهم، ولا توجد حلول سهلة في هذا الجانب للأسف إلا أن يصبر الشخص ويعوّد نفسه، ويوجد نصائح كثيرة في هذا الجانب ناقشتها كتب التنمية على كل حال، وربما أفضل محتوى عربي قدم إفادة في هذا الجانب هو قناة علي محمد علي.

النقطة الأخرى التي يجدر الانتباه لها هي مهارات التعلم، فسيختصر المتعلم الطريق على نفسه كثيرا إذا تعلم كيف يتعلم قبل كل شيء، وقد يكون البعض لاحظ بالفعل الإشارة الضمنية ربما لاحد أشهر المساقات على كورسيرا تعلم كيف تتعلم ، وربما ملخصه من قناة دروس اونلاين سيكون كافيا، ولكني لا أعتقد أن ذلك القدر من التعلم حول كيفية التعلم سيكون كافيا أيضا، فمن المهم أن يجرب الشخص استراتيجيات مختلفة بشكل مستمر في عملية التعلم، كتقنية فاينمان للتعلم على سبيل المثال، وأن يطالع بشكل مستمر أساليب مختلفة، ولا يحصر نفسه بأسلوب اعتاده منذ صغره قد يكون أكبر عائق له في تعلم العلوم بشكل صحيح وسريع.

الآن دعونا نعود مرة أخرى أخيرا لمسألة التشتت:

ذكرتَ في كلامك بعض المعايير الجيدة لتحديد المحتوى، ولكن يمكن الذهاب ابعد من ذلك صراحة، فبدلا من الاعتماد في مسألة الكتب على دور النشر يمكن البحث عن بعض الكتب المعتمدة في بعض الجامعات، ويمكن مطالعة ترشيحات الناس للكتب على الانترتت واراءها ونقاشها حول الكتب الأنسب، والبحث عن سيرة الكاتب كذلك وآراء القراء.

وقد يكون البدأ بمدخل او اي دورة تحت تصنيف 101 أمر جيد، ولكن دفعا للتشت كذلك أرى من الجيد أن يحاول المتعلم إيجاد منهج تعلم كامل ،او حتى ينظم واحد لنفسه إن كان يمتلك الوقت والقابلية لذلك عن طريق تتبع مناهج بعض الجامعات، أو لو بحث فغالبا سيجد أشخاصا قاموا بالفعل بترتيب بعض المناهج المتدرجة، على سبيل المثال مجتمع OSSU يضع منهج متدرج لدراسة ال Computer science يتألف من أكثر من 50 مساق من المستوى المبتدئ حتى المتقدم، ويوفرون منهج آخر للرياضيات.

ومنصة كورسيرا من المنصات الجيدة كذلك التي توفر قدر كبير من المساقات مقسمة بين المستوى المبتدئ والمتوسط والمتقدم، ولكن يظل برأيي أن الكتاب في الغالب هو الأنسب، بجانب المساقات الجامعية على شكل محاضرات التي تصورها بعض الجامعات وتنشرها أمثال MIT و ستانفورد، ويوجد كذلك مساقات جامعة زويل المصرية قامت بشيء جميل، وغيرهم.

ولكن على الشخص أن لا يشتت بسبب كثرة هذه المصادر بل بالعكس، يجدر به ان يحدد مصدر معين ويلتزم به، وفي النهاية ستكون هناك دائما فرصة لتعلم المزيد على كل حال لذا مجرد البدأ والالتزام فذلك شيء قيم بجد ذاته.

وأنا افترض أن المتعلم يمتلك تصور واضح لأهدافه من التعلم وفائدة تعلم ما يريد تعلمه عليه، وإلا كل هذا الحديث عن محاولات دفع الشتت لن يكون لها قيمة من دون تحديد هذه النقاط الأولية.

واخيرا لا يمكنني الحديث عن التعلم الذاتي صراحة من دون الإشارة لمشروع وشخص الاستاذ احمد الحسيني وفقه الله وبارك فيه وجزاه خيرا، anaHr فهو نموذج رائع ،سواء من حيث محتوى تعليمه، او من حيث تعلمه الذاتي، فعلى الرغم من تخرجه من كلية تخصص علوم الأحياء، فهو يعمل في تكنولوجيا المعلومات ودروسه واستعماله لحسوبه يوضح قدر كبير من الاحترافية والمعرفة، ولم يقتصر على ذلك وحسب، بل دروسه عن الرياضيات والفيزياء شيء آخر تماما، فاعده نموذج محفز للغاية في هذا الجانب، وهو ليس الوحيد بالتأكيد، وفي نهاية الأمر يجدر بالمتعلم ان يدرك ان الأمر إنما توفيق من الله على الحقيقة ويحسن التوكل، فلا شيء أنفع له من هذا.