كتب: د. محمود المنير
لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده، ولم تعد القوة تُقاس بعدد الدبابات أو الصواريخ، بل بقدرة الدول على السيطرة على السردية، وهنا تحديدًا يبرز الفيلم الوثائقي كأحد أخطر وأذكى أدوات القوة الناعمة في العصر الحديث. فهو ليس مجرد عمل فني أو مادة ثقافية، بل وسيلة سياسية وإعلامية قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي، والتأثير في الرأي العام، وصياغة المواقف تجاه القضايا السياسية والعسكرية والاجتماعية، بل وحتى إعادة كتابة التاريخ نفسه.
تكمن خطورة الفيلم الوثائقي في أنه يتخفّى خلف قناع "الحقيقة"، ويُقدَّم للجمهور بوصفه سردًا موضوعيًا للوقائع، في حين أنه في كثير من الأحيان يحمل رؤية أيديولوجية واضحة، ويخضع لانتقاء ذكي للمعلومة، والصورة، والشهادة، والمونتاج. وهذا ما يجعله أكثر تأثيرًا من الخطاب السياسي المباشر أو البيانات الرسمية.
من ساحات الحرب إلى شاشات السينما
برزت الأهمية السياسية للفيلم الوثائقي بوضوح خلال الحرب العالمية الثانية، حين تحوّلت دور السينما إلى منصات تعبئة جماهيرية. ففي زمن غياب التلفاز، كان الوثائقي الوسيلة الأوسع انتشارًا لنقل أخبار الحرب وتبريرها، وبناء صورة العدو والمنقذ.
لم يقتصر هذا الاستخدام على دول الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة، بل استثمرت ألمانيا النازية الوثائقي لتكريس الأيديولوجيا القومية المتطرفة وتجنيد الجماهير، فيما استخدم الاتحاد السوفييتي الفيلم كوسيلة فعالة لترويج الفكر الشيوعي داخل حدوده وخارجها، في واحدة من أوائل معارك السيطرة على العقول في القرن العشرين.
حين يهزّ الفيلم عروش السياسة والاقتصاد
أثبتت التجربة أن الفيلم الوثائقي قادر على إحداث تأثيرات سياسية واقتصادية مباشرة. فقد لعب فيلم مايكل مور Fahrenheit 11/9 دورًا مهمًا في تقويض صورة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، عبر كشف تناقضات إدارته، خصوصًا ما يتعلق بذريعة أسلحة الدمار الشامل العراقية.
وبالمثل، ألحق فيلم Super Size Me ضررًا بالغًا بصناعة الوجبات السريعة في الولايات المتحدة، بعدما كشف آثارها الصحية، بينما شكّل فيلم Citizenfour ضربة قوية للسردية الرسمية الأميركية حول الأمن القومي، عبر فضح ممارسات التجسس الواسعة التي كشفتها تسريبات إدوارد سنودن.
الوثائقي ومعركة الذاكرة التاريخية
من أخطر أدوار الفيلم الوثائقي اليوم هو تدخله المباشر في إعادة تشكيل الذاكرة التاريخية للشعوب. فقد شهدنا في السنوات الأخيرة إنتاج عدد كبير من الأفلام الوثائقية التي تعيد سرد أحداث تاريخية حساسة من زوايا انتقائية، سواء ما يتعلق بالحروب، أو الاستعمار، أو النزاعات الدولية، أو حتى الثورات والانقلابات.
في كثير من الحالات، لا يهدف الوثائقي إلى تقديم قراءة متوازنة للتاريخ، بل إلى تثبيت رواية واحدة تخدم مصالح سياسية معاصرة، وإقصاء الروايات البديلة. وهنا تتحول الصورة المؤرشفة إلى أداة خطيرة، قادرة على طمس وقائع، أو إعادة ترتيب المسؤوليات، أو تحميل أطراف بعينها وزر أحداث معقدة، بما ينعكس مباشرة على وعي الأجيال الجديدة ومواقفها السياسية.
من الورق إلى الصورة… معركة المستقبل
اليوم، تدرك مراكز التفكير، والمؤسسات البحثية، والجهات التعليمية، أن الفيلم الوثائقي لم يعد أقل شأنًا من الكتاب التاريخي أو الوثيقة الأرشيفية. فنحن نعيش تحولًا جذريًا في طريقة تلقي المعرفة، حيث تنتقل البشرية بوتيرة متسارعة من النص المكتوب إلى الصورة المرئية، ومن القراءة إلى المشاهدة حسب الطلب.
في هذا السياق، يتحول الفيلم الوثائقي إلى أداة مركزية في صناعة الوعي، وتوجيه الذاكرة الجماعية، وبناء الشرعية السياسية. ومن يُهمل هذه الأداة، يترك فراغًا خطيرًا سيملؤه الآخرون بسردياتهم ورؤاهم ومصالحهم.
السينما كقوةناعمة
الفيلم الوثائقي كأحد أهم مخرجات السينما اليوم ليس ترفًا ثقافيًا، بل أحد أهم أدوات القوة الناعمة بامتياز، يُستخدم لإعادة تعريف الحقيقة، وتوجيه الرأي العام، وصناعة التاريخ كما يُراد له أن يُفهم. وفي عالم تحكمه الصورة، من يملك الوثائقي… يملك القصة، ومن يملك القصة… يملك التأثير.
التعليقات