في ثقافتنا العربية، اعتدنا أن نُفسِّر التعب بالصبر، وأن نُؤجِّل الإنصات لما يحدث داخلنا بحجّة “التحمّل” و“الوقوف من جديد”. غير أن الجسد، حين يُهمَل طويلًا، يجد طريقته الخاصة في التعبير.

إحدى هذه الطرق هي ما يُعرف نفسيًا بـ الانفصال الجسدي.

الانفصال الجسدي ليس حالة غريبة أو نادرة، بل تجربة يمرّ بها كثيرون دون أن يجدوا لها اسمًا. هو شعور بالحضور الجسدي الكامل، يقابله غياب داخلي جزئي؛ كأن الإنسان يواصل حياته اليومية بينما يشعر أن شيئًا ما بداخله قد انسحب خطوة إلى الخلف.

قد يصفه البعض بالخدر، أو بثقل في الجسد، أو بإحساس بأن المشاعر بعيدة. وقد يرافقه بطء في التركيز، وإرهاق لا يزول بالراحة، وشعور بأن العالم أقل وضوحًا. ورغم ما يثيره هذا الإحساس من قلق، فإنه لا يدل على فقدان العقل أو ضعف الشخصية، بل على استجابة دفاعية طبيعية من الجهاز العصبي.

غالبًا ما يظهر الانفصال الجسدي في سياقات الضغط النفسي المزمن، أو بعد فترات طويلة من التحمّل دون تفريغ، أو إثر فقد عاطفي لم يُعطَ حقّه من الحزن. وفي أحيان كثيرة، يتزامن ظهوره مع لحظات يُفترض أنها “بدايات تعافٍ”، حين يبدأ الإنسان بالالتفات إلى ذاته بعد سنوات من التجاهل.

المفارقة أن رحلة التشافي نفسها ليست دائمًا مريحة.

فحين يتوقّف الإنسان عن إنكار ألمه، قد يعلو صوت الجسد. تظهر أعراض مربكة، وتتقلّب المشاعر، ويخيّل لصاحب التجربة أنه يعود إلى الوراء، بينما هو في الحقيقة يمرّ بمرحلة إعادة تنظيم داخلية عميقة.

في هذا السياق، يصبح الانفصال الجسدي رسالة لا عرضًا مرضيًا. رسالة تقول إن الجسد بحاجة إلى أمان، وإيقاع أبطأ، وحدود أوضح.

التعامل مع هذه الحالة لا يكون بالمقاومة أو التحقير، بل بالفهم والتدرّج: تنظيم النوم، تخفيف المنبّهات، العودة إلى الإحساس بالجسد عبر الحركة والتنفس، والأهم فتح مساحة آمنة للكلام، سواء مع شخص موثوق أو مختص.

ما نحتاجه ثقافيًا هو إعادة الاعتبار للجسد، لا بوصفه أداة إنتاج فقط، بل ككائن حساس يتأثر بما نمرّ به نفسيًا وعاطفيًا.

فالجسد لا ينهار فجأة، بل يتعب بصمت، ثم يطلب الانتباه.

الانفصال الجسدي ليس عيبًا، ولا ضعف إيمان، ولا فشلًا في الصبر.

هو محاولة نجاة، ولحظة صدق بين الإنسان وذاته، قد تكون — إذا أُحسن الإصغاء لها — بداية عودة هادئة إلى الداخل.

Fatimazahra sougtani

باحثة في التحول المهني، الصحة النفسية والإرشاد.