20

تعرف إلى ويكيبيديا #3: من يدير الموسوعة؟

(تعليق: هذا الموضوع هو الجزء الثالث من سلسلة من خمس مقالات هدفها الأساسي هو استدرار تفاعل الأعضاء وتقريبهم من ويكيبيديا، لذا -لو كانت لديك أي أسئلة أو تعقيبات- أتمنى أن لا تتردد بإضافتها في تعليق.)

لعلَّ أصعب جانب من نموذج عمل ويكيبيديا هو كيفية الإشراف على محتوى موسوعة إلكترونية يزورها 5 ملايين شخص كل 60 دقيقة[1] بإمكان كلّ واحد منهم تغيير مقالاتها كيفما يشاء. لا زالت تبدو فكرة السماح لكل هؤلاء الأشخاص بـ"العبث" بموسوعة تبدو جنونية لمعظم الناس، حتى لمن يقرؤون مقالاتها يومياً، فما الذي يمنع ويكيبيديا من أن تكون مرتعاً للعبث والتخريب؟ وما الذي يمنع الجواسيس والعملاء السريين من التلاعب فيها كيف يشاؤون - إذا كان هناك ما يمنعهم؟

نظام العمل في ويكيبيديا

ثمّة ما لا يقل عن سبعين ألف متطوّع نشط يساعد في كتابة وتحديث وتطوير مقالات ويكيبيديا كل شهر بمختلف اللغات، ومنهم سبعمائة متطوع يكرسون جهودهم لويكيبيديا العربية وحدها.[2] فلا بد إذاً من نظام يسير عملهم وتتوزع مهامهم وفقاً له، أو ذلك هو البديهي على الأقل. تقوم فكرة العمل في ويكيبيديا على اللامركزية بأقصى صورها، فكل متطوع هو شخص مستقل يقوم بالمهام التي يريدها والدور الذي يشاؤه، وليس لأحد أن يخبره بما عليه عمله أو يطلب منه الانصراف عن مهمة لأنها ليست من اختصاصه، فلا وجود للاختصاص.

تضاف إلى النسخة العربية من ويكيبيديا يومياً حوالي 200 إلى 300 مقالة جديدة،[3] وثمة من المتطوعين من يحبون تخصيص جزء من وقتهم -يومياً- لتنقيح هذه المقالات والتأكد من أنها صفحات موسوعية سليمة (وهو ما يندرُ حدوثه)، كما أن ثمة من يلقون نظرة كل بضع ساعات على آخر التعديلات المدخلة على مقالات الموسوعة السابقة، ليتأكدوا أنها تخلو من العبث والتخريب، وثمة من يفضلون -مثلي- كتابة محتوى المقالات الثمين الذي يستفيد منه القارئ.

وأياً كانت الوظيفة التي يؤدّيها المتطوع، فهو لا يسير فيها وفقاً لنظام ولا جدول، بل يذهب إلى المقالات التي تعجبه ويبادر بالعمل عليها. وهذه ميزة كبيرة لأنها تترك للمساهمين حرية العمل على ما يثير اهتمامهم وشغفهم، كما أنها مشكلة، لأنها تعني أن استجابة ويكيبيديا لما يدخل إليها ليست فورية ومنتظمة.

هرم الصلاحيات

ينقسم المساهمون في موسوعة إلى ثلاث فئات أساسية بحسب صلاحياتهم: وهم المستخدمون الجدد، والمحررون، والإداريون. والمستخدم الجديد هو أي شخص لديه حساب على ويكيبيديا (تحتاج دقيقة واحدة لتسجيله)، وبإمكانه أن يعدل أي مقالة -تقريباً- ويضيف إليها أو يمحي منها ما يشاء. ولكن كل تعديل يقوم به إلى مقالة يحفظ في نسخة غير مراجعة. وتظهر هذه التعديلات لقراء ويكيبيديا، ولكن تظهر معها رسالة تفيدهم بأن التعديلات "معلّقة" حتى يطلع عليها أحد المحررين الموثوقين، وهنا يأتي دور الصلاحية الثانية.

قد يبدو لقب "المحرّر" جذاباً، إلا أنه لا يختلف في شيء عن المستخدم الجديد إلا بحصوله على اعتراف من مجتمع الموسوعة بأنه شخص موثوق بما يكفي لكي لا يضطرّ غيره للتدقيق في جميع تعديلاته. ولهذا السبب فإن شروط الحصول على صلاحية المحرر ليست قائمةً على عدد المقالات أو المساهمات التي يؤدّيها المستخدم، فلا بد لكل شخص يطمح لأن يكون محرراً من تقديم طلب، ومن ثم نقوم بمراجعة هذه الطلبات -واحداً و احداً- بالتدقيق في مقالات المستخدم وتعديلاته لنرى مقدار استيعابه لقوانين ويكيبيديا. وإذا ما رفض طلب صلاحية المحرر، فدائماً ما تكون هناك علة واضحة ودقيقة للرفض والتي بإمكان المستخدم أن يعمل على تحسينها ليحظى بالقبول.

والمسؤول عن منح صلاحية "المحرر" هو الإداري، وهي الصلاحية الأعلى في ويكيبيديا بكلّ لغة. لكل نسخة من الموسوعة طاقم إداري خاصّ بها ينتخبه مجتمعها، فالإداريون في ويكيبيديا العربية يختارهم المجتمع العربي، والإداريون في النسخة الألمانية يختارهم المجتمع الألماني، وهم النخبة القليلة من المجتمع دوماً، إذ لدينا في ويكيبيديا العربية 30 إداري تقريباً من بين سبعمائة مستخدم نشط شهرياً.[4]

إذا كنت تطمح لأن تكون إدارياً، فلا بد أن تتفرغ لما لا يقل عن ثلاث أو أربع سنوات لإضافة المقالات إلى ويكيبيديا وملئها بالمساهمات الإيجابية والتواصل مع باقي المتطوعين وبناء سمعة لديهم وكسب قبولهم وتأييدهم. ورغم أن هذا لا يضمن مائة في المائة أن تكون شخصاً ذا نوايا حسنة، إلا أنه يضمن أن يمل الغالبية العظمى من الأشخاص السيئين من كسب صلاحية الإداري قبل أن يصلوا إليها بزمنٍ طويل. وماذا لو وصل أحدهم إليها؟ سيكون واحداً بين طاقم كبير من الإداريين، الذين يستطيعون إيقافه عن العمل فوراً إذا رأوا أي تصرف سيء صريح منه.

إداريو ويكيبيديا ليسوا ملائكة، بل هم أشخاص جيدون عملوا جاهدين لكسب سمعة ليس بإمكانهم أن يتركوها تضيع بسهولة، ولعل هذا واحد من أقوى وأمتن نماذج العمل في العالم. لو كانت لصلاحية الإداري أي أثر، فهو المسؤولية الكبيرة التي تأتي مع الكثير من العيون التي تراقب عملك باستمرار، والتي سوف تشير إلى خطئك ومخالفاتك في أقرب فرصة. وهذا ما يجعل إدارة ويكيبيديا مستحيلة الاختراق، فكل شخص يطمح لاختراقها عليه أن يكون وحيداً في مواجهة مجتمع عملاق مكون من سبعين ألف متطوع.

صاحب الكلمة الفاصلة

ليست للإداريين أفضلية حقيقية على المستخدمين الآخرين، إذ ليس من المطلوب منهم ولا من المسموح لهم أن يتخذوا القرارات، بل وظيفتهم هي تطبيق ما يطلبه منهم المجتمع، أي أنهم سلطة تنفيذية لا أكثر. والسبب الوحيد في تقليل عددهم والحذر باختيارهم هو أنه يأخذون وصولية لأدوات خطيرة إذا وقعت في يد مخرّب أو شخص غير خبير بأسلوب عمل الموسوعات.

فالإداري قادر على حذف المقالات وحظر المستخدمين الآخرين من التعديل، وهي صلاحيات خطيرة جداً. وليس من المفترض بالإداري أن يستخدم الأدوات المتوفرة له إلا عندما يرى انتهاكات صارخة لقوانين الموسوعة المنصوص عليها، ولكن التجاوزات قد تحدث دوماً (في حالات نادرة جداً). في ويكيبيديا العربية، يحدث كل ثلاث أو أربع سنوات أن يقال إداري من منصبه بسبب إساءة استخدامه للصلاحيات التي ائتمنه المجتمع عليها.

ليست للإداريين ولا لغيرهم الحظوة في فصل الخلافات اليومية بويكيبيديا، إذ تكمن قوة هذا الهرم الإداري للموسوعة بأنه لا يضع أي سلطة تشريعية في يد شخص واحد (ولا حتى فئة من الأشخاص)، وإنما هو قائم على فصل تام للسلطات عن بعضها. على سبيل المثال، عند وجود خلاف على معلومة في مقالة سياسية، مثل مقالة حرب أو نزاع في دولة عربية، لا يحق للإداري ولا لغيره أن يتدخل في النقاش ويقول "قررتُ هذا وعليكم أن تستمعوا لي". فالنقاش حول هذه المقالة تحسمه قوانين ويكيبيديا. تنص قوانين الموسوعة على الاستشهاد بالمصادر الموثوقة، وبالتالي فإن أحد أطراف النقاش قد يقوي حجته بالاستشهاد بمصدر أكاديمي جيد أو بتفنيد حجة خصمه من خلال إيجاد خلل في المصدر الذي يعتمد عليه.

وأياً ما كان اتجاه النقاش، فإن الإداري لا يتدخل إلا لو تحول إلى جدال غير بنّاء، مثل أن يتبادل المستخدمون الشتائم أو أن يعبثوا بالمقالة، ووقتها يكون تدخله للحفاظ على سير الأمور والحوار العقلاني لا أكثر، لو لإيقافهم عن تخريب المقالة التي يتجادلون حولها. فهو أشبه بشرطي يضبط القانون فحسب.

إذا لم تكن هناك سلطة للتدقيق في محتوى ويكيبيديا وتقرير ما تحتويه مقالاتها، فكيف يمكنها أن تبقى موثوقة إذاً؟ لعل هذا أهم سؤال يدور حول الموسوعة.

المصادر

[1] "Page Views for Wikipedia, Both sites, Normalized". stats.wikimedia.org. اطلع عليه بتاريخ 28 يناير 2019. الرابط:

https://stats.wikimedia.org...

[2] "Wikipedia Statistics - Tables - Active wikipedians". stats.wikimedia.org. اطلع عليه بتاريخ 28 يناير 2019. الرابط:

https://stats.wikimedia.org...

[3] "Wikipedia Statistics - Tables - New articles per day". stats.wikimedia.org. اطلع عليه بتاريخ 28 يناير 2019. الرابط:

https://stats.wikimedia.org...

[4] "ويكيبيديا:إداريون". ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. 2019-01-08. الرابط:

https://bit.ly/2T7IP3n

ملاحظة: هذا سؤال (اقتراح)متعلق بويكيبديا بشكل عام.

الويكيبيديا العربية في المرتبة 17 وتسبقها الويكيبيديات الأخرى بآلاف المقالات. فما رأيك بهذا الاقتراح، وهل تعتقد أنه قابل للتطبيق؟ هل يستطيع الادارييون على ويكيبيديا العربية أو طلاب الجامعات العربية-مثلاً- اقتراح هكذا مشروع على الجامعات؟

لنفترض أنه في جميع الدول العربية يوجد 2 مليون طالب جامعي (قد يكون الرقم أكبر من ذلك بكثير). أليس من الممكن أن تقوم كل جامعة عربية بتخصيص ساعة، مثلاً، في الأسبوع ليقوم كل طالب بالترجمة او انشاء مقالة على ويكيبيديا؟ 

هكذا ستتمكن الويكيبيديا العربية من التقدم بسرعة خيالية، كما أن ذلك سيعود بالفائدة على الطلاب والجامعات العربية والمستخدمين العرب بشكل عام.

الأمر قيد التنفيذ بالفعل عبر برامج التعليم في الجامعات العربية لكن ينحصر الأمر في دول عربية محددة وجامعات محددة أيضًا، ويبقى الأمر ليس بالبساطة المقترحة فلا بد من الخوض في الكثير من الإداريات ولدي عَبَّاد @Abbad_Diraneyya‍  الكثير مما يمكنه أن يحدثنا عنه في هذا الخصوص.

بدأنا بتطبيق مشروع ويكيبيديا في الجامعات العربية قبل ست سنوات تقريباً، تحت اسم "برنامج ويكيبيديا للتعليم" (Wikipedia Education Program). هذا المشروع نشطٌ حالياً في الأردن وفلسطين ومصر، وقد طُبّق سابقاً (ولكن توقف) في العراق والجزائر والسعودية وتونس. تقوم فكرة البرنامج على عقد اتفاقات مع أساتذة جامعيين -كلّ منهم على حدا- وإقناعهم باستبدال الواجبات والامتحانات التي يطلبونها من الطلبة (والتي يبذلُ بها الطالب عشرات الساعات ثم يلقي بها الأسناذ في خزانة قديمة) بكتابة مقالات على ويكيبيديا، تحت إشراف الأستاذ، يدوم أثرها وفائدتها طوال العمر. يرحّب معظم الأساتذة الجامعيين بالفكرة ويقدمون لنا دعماً كبيراً جداً بتطبيقها.

لا شك بأن مشروع الجامعات هو من أنجح مبادرات ويكيبيديا التي طُبّقت في المنطقة العربية، فقد تفوّقنا فيه على معظم دول العالم الأخرى. في كل فصل دراسي، يضيف الطلاب المشاركون من كلّ جامعة (عادة بحدود الخمسين) حوالي 100-200 ألف كلمة إلى ويكيبيديا العربية، أي ما يعادل 400-800 صفحة مطبوعة. ليست لدي، للأسف، إحصاءات شاملة عمّا أنتجه طلبة كلّ الجامعات العربية وأضافوه إلى ويكيبيديا منذ بدأنا بتطبيق هذه المبادرة، ولكني أظنه يقترب من 5,000 مقالة.

المشكلة في برنامج الجامعات، رغم أنه فكرة عظيمة بحدّ ذاتها، أنه يحتاج التزاماً وجهداً فائقاً من المتطوعين الذي يعملون في ويكيبيديا، ومن الصعب جداً -لذلك- أن يستمر على الأمد الطويل. لدينا في كلّ دولة عربية ما لا يتجاوز 20 أو 30 متطوع نشط بصورة دائمة، ومعظم هؤلاء يفضلون العمل على مقالات ويكيبيديا من منازلهم، ولا يحبون أو يتقبلون فكرة تكبد عناء الذهاب إلى مناسبات لويكيبيديا بصورة شخصية. بالتالي، عدد من يذهبون إلى اللقاءات والاجتماعات التي نعقدها لويكيبيديا لا يتعدى 5-10 أشخاص في كلّ دولة، ومن هؤلاء عدد قليل جداً لديهم القدرة (والرغبة) على التفرّغ للذهاب إلى جامعة مرة أسبوعياً والاتفاق مع المدرّسين وتنظيم ورش تدريبية للطلبة. والمشكلة هنا هي أن المتطوع، عندما يلتزم بالعمل مع جامعة، فهو مضطر لمتابعة الالتزام حتى نهاية الفصل الدراسي، أي لأربعة شهور كاملة، وهو أمر مزعج يصعبُ تكراره مرة تلو الأخرى.

لدينا حالياً اتفاقات من هذا النوع مع أربع جامعات في بلاد الشام، معظمها بفلسطين، وكل جامعة يتولى مسؤوليتها بالكامل متطوع واحد فقط. مؤخراً، أخبرني أحد هؤلاء بأنه في فصله الجامعي الأخير ولديه مشروع تخرج، ومن المستحيل عليه الاستمرار بتشغيل برنامج ويكيبيديا في جامعته بالتوازي مع دراسته. الحل الذي تتبعه معظم مؤسسات ويكيبيديا حول العالم هو تحويل هذا الدور إلى وظيفة بدوام كامل: فمن السهل أن تطلب من متطوعين يتبرعون بأوقاتهم أن يكتبوا من منزلهم مقالة أو مقالتين كل بضعة أسابيع، ولكن الالتزام باجتماعات ومحاضرات وورش تدريبية منتظمة مع جامعة هو أمر مختلف تماماً، فهو وظيفة بحدّ ذاتها. المشكلة هي أننا نعمل بتمويل شبه معدوم، وليست لدينا القدرة على توظيف أي شخص. أحد أهدافي الكبرى في الفترة القادمة هي أن أجد طريقة لتمويل منظمة ويكيبيديا في بلاد الشام وتحويلها إلى مؤسسة مسجلة مع 2-3 موظفين بدوام كامل، ووقتها سوف نكون قادرين على تشغيل هذه البرامج بصورة دورية.

ولكن هل من الصعب ان تقوموا بعقد اتفاقيات مع مديري الجامعات وليس مع الاساتذة

الحقيقة هناك درجة لا بأس بها من الصعوبة. المشكلة في اقتراحك هي أننا، بالتجربة والمراقبة، نجدُ أن إجبار الطلاب على الكتابة في ويكيبيديا ليس أمراً مجدياً، فلا بدّ أنك مدرك لما ينتجه طلاب الجامعات تحتَ طائلة الواجبات الإجبارية ومواعيد التسليم من أوراق سيئة وبحوث رديئة لا تصلحُ للاستخدام في مكان، وبالتالي فإننا نفضل العمل مع عيّنات صغيرة يكونُ قرار التطوّع فيها -إلى حدّ ما- بمبادرة الطالب ورغبته وليس بمتطلّب إجباري على مستوى الجامعة.

فضلاً عن ذلك، إن ضخّ كمية كبيرة من المقالات إلى ويكيبيديا (مقالة عن كل طالب في جامعتي تساوي 50,000 مقالة) فيه خطورة بالنسبة لمجتمع المساهمين، لأن معظم المقالات التي يكتبها أشخاصٌ جدد على ويكيبيديا تحتاج إلى المراجعة والتدقيق قبل أن تكون لائقة للموسوعة، وبما أن مجتمعنا مكوّن من حوالي أربعمائة أو خمسمائة متطوّع نشط شهرياً، فلك أن تتخيل صعوبة التعامل مع هذه الأرقام من المقالات.