تخيّل أنك تمشي في شارع روماني قبل ألفي عام وتشعر بالجوع، لكن بيتك بلا مطبخ. لا مشكلة: تدخل متجراً صغيراً مفتوحاً على الشارع، تشير بإصبعك إلى جرة، وتأكل واقفاً ثم تكمل طريقك. هذا لم يكن خيالاً، بل يوماً عادياً في مدينة بومبي.
كانت هذه المتاجر تُسمى «ثيرموبوليا»، وهي كلمة يونانية معناها «مكان يُباع فيه شيء ساخن». وُجد منها في بومبي وحدها نحو ثمانين متجراً، أي أنك كنت تجد واحداً منها في كل حي تقريباً.
كان شكل المتجر بسيطاً وذكياً: منضدة حجرية تطل على الشارع، وفيها جِرار فخارية ضخمة تُسمى «دوليا» مدمجة في المنضدة نفسها، يُحفظ فيها الطعام ساخناً وجاهزاً. والمنضدة نفسها كانت لوحة إعلان: في المتجر الذي كُشف عنه كاملاً عام 2020، كانت المنضدة ملوّنة بالكامل برسوم الأطعمة المعروضة، حتى إن إحدى الرسوم تُظهر كلباً بمقود — ربما تذكيراً للزبائن بربط كلابهم.
ماذا كان يُقدَّم؟ أطباق بسيطة ورخيصة: خبز وجبن وعدس وسمك مملّح وحساء ونبيذ متبّل. والأهم أن علماء الآثار وجدوا داخل الجِرار بقايا حقيقية: عظام بط وخنزير وغنم وسمك وحلزون، أي أن الرسوم على المنضدة لم تكن زينة فقط، بل قائمة طعام فعلية.
وكان زبائن هذه المتاجر في الغالب من الفقراء، لأن بيوتهم لم تكن فيها مطابخ، بينما كان الأغنياء يأكلون في بيوتهم. بمعنى آخر: الوجبات السريعة لم تُخترع في عصرنا، بل وُلدت من حاجة قديمة جداً: طعام جاهز، رخيص، وسريع، لمن لا يملك وقتاً أو مطبخاً.
أدير مجلة بيكومين، وهي مجلة عربية للاكتشافات، وكتبت فيها عن مدينة بومبي العمودية التي دفنها البركان:
سؤالي لكم: لو عشت في بومبي قبل ألفي عام، أي طبق كنت ستطلبه من الجرة؟
التعليقات