سلطة النوستالجيا..من أغاني الراي القديمة مرورا الأثاث العتيق .. عندما قرر جيل الشاشات إحياء روحه..

بينما كنت مستغرقة كالعادة في طقس التصفح الليلي (Scrolling) مع نهاية يوم طويل ، لفت انتباهي "ريل" لمؤثرة شهيرة وهي توثق لحظاتها داخل صالون نسائي تقليدي يعبق بتفاصيل بداية الألفينيات. في ذلك الصالون بالذات، بدا كل شيء كأنه لوحة أعيد إحياؤها فالوجوه هناك لم تكن خاضعة لـمكياج "النيود" الباهت والشاحب الذي تفرضه معايير اليوم، بل عادت لتستحضر سحر مكياج التسعينيات الجريء بملامحه الصارخة بأزرقه السماوي ، وتحديد الشفاه الواضح الذي يعلن عن حضوره بلا استئذان.

​ولم تقتصر الرحلة على اللمسات التجميلية، بل رافقها شريط صوتي غني يُوقض الذاكرة الجماعية، حيث تعالت نغمات أغاني إليسا القديمة التي رافقت مراهقتنا، وتمايلت الروح على إيقاعات الراي الأصيلة لأجيال الزمن الجميل للشاب خالد، الشاب مامي، جنباً إلى جنب مع سحر النجومية الطاغي لأيام " كاسيطات" هيفاء وهبي الأولى التي أعادت تعريف الأيقونة البصرية. ومع تتابع هذه المشاهد، امتد هذا الحنين ليلامس أرقى تفاصيل هويتنا إذ طالعتنا موجة جارفة للعودة إلى القفطان الثمانيني بلونه البرتقالي أو الأصفر الفاقع و لما لا فستقي ملأ جرأته الذي لبسته أمهاتنا . ذلك القفطان العريض، الفضفاض، المليء بالألوان الحية والتطريزات التقليدية التي تحمل رائحة العطر ممزوجا برائحة بخار طبق دجاج الأعراس "الدغميرة" الآتي من المطبخ .

وحتى السينما لم تنجُ، هجر الجماهير منصات العرض الحديثة الغارقة في المؤثرات البصرية الباردة، ليعيدوا اجترار سيناريوهات سحر الأفلام القديمة حيث الكاميرا تلتقط الروح لا التقنية، والحكايات تتنفس الذاكرة والعفوية ببطء وعمق.

​هذا الهروب الجماعي ليس مجرد صدفة بصرية، بل يجيب عنه علم النفس العصبي والدراسات السيكولوجية التي تؤكد أننا نفعل ذلك لأن دماغنا البشري يتعامل مع النوستالجيا كمضاد حيوي ضد الغربة الداخلية فعندما نشعر بضغط الحاضر واغترابه، يفرز الدماغ كميات من "الدوبامين" عند تذكر الماضي، فالعقل يدرك بالفطرة أن ذكريات الطفولة وشباب الأهل هي "منطقة أمان" فالماضي انتهى وحكاياته معلومة ومحسومة، بينما الحاضر والمستقبل محفوفان بالغموض والتوتر وما ينتظرنا كبشر بعد عصر الذكاء الإصطناعي

فنجأ دون قصد لموسيقى والملامح القديمة كدرع واقي من القلق الوجودي وأزمة الهوية الحالية

​ولعل هذا التمرد الوجداني لم يتوقف عند الشاشات والموسيقى، بل امتد ليمس جدران وديكورات بيوتنا ومساحاتنا الخاصة، كاشفاً عن تحول نفسي عميق.

فقد غرّدنا قبل سنوات قليلة عكس هذا اللحن ، إذ سحرتنا موجة "المينيماليزم" (Minimalism) التي جاءت كهروب عصبي من ازدحام ديكورات طفولتنا المزدحمة جدرانها بصور المشاهير والألوان ، فأطفأنا الألوان، وأفرغنا الزوايا، واستبدلنا تفاصيل الذكريات ببياض ناصع ومساحات خالية بدت أنيقة في البداية، لكنها تحولت تدريجياً إلى فراغات باردة تشبه غرف العيادات عن الانتظار.

​هنا بالتحديد، تتدخل وسوسيولوجيا المكان، فقد أثبتت دراسات بريطانية حول تأثير الهندسة الداخلية على الصحة النفسية أن الفراغات الباردة والمصمتة تزيد من مستويات الشعور بالوحدة والاغتراب الاجتماعي.

وفجأة، انقلب السحر على الساحر، وزحف الذوق العام نحو متاجر الأثاث العتيق (Antiques) مجددا واجتاحتنا حمى اقتناء القطع المستعملة والمليئة بالحكايات. هذا الارتداد لم يكن مجرد موضة ديكور، بل هو احتجاج نفسي ضد فقر الحاضر الرقمي، فالإنسان أدرك أن البيوت الخالية من التفاصيل هي بيوت خالية من الروح، وأنه بحاجة إلى أشياء تعيش وتشيخ معه، لا إلى كتل بلاستيكية صامتة و بكماء

​وكما هربنا من برود الديكورات، هربنا أيضاً من هوس "المثالية البلاستيكية" التي تفرضها خوارزميات اليوم. حيث تؤكد أبحاث علم الاجتماع الثقافي أن تكرار الوجوه المتطابقة رقمياً يولد شعوراً بفقدان الهوية الفردية والجماعية. إنها ثورة هادئة و رقمية لإعادة إحياء "الحواس المفقودة" واللمس الإنساني والدفئ البشري الحقيقي في عالم ديجيتال تحول فيه كل شيء إلى شاشات لمس صامتة فردانية منزوعة الروح .

​إن عودتنا للماضي بكل تجلياتها من مكياج وجوهنا، وأغاني الراي، وألوان الملابس ، وصولاً إلى أثاثنا العتيق وأفلامنا الخالدة، ليست مجرد ترف استرجاعي، بل هي صرخة صامتة يعبر من خلالها الإنسان المعاصر عن رغبته في إبطاء الزمن، وترميم روحه المتعبة من "ai " ويعبر قنطرة الماضي من جديد. ربما لا يمكننا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكننا في كل مرة نغوص فيها ، نثبت لأنفسنا أن تمت شيء ما في الإنسان يرفض أن يتأقلم مع هذا البرود الرقمي البعيد عن فطرته الحية الملوّنة ، وأنه سيبقى دائماً في بحث عن الدفء، الحنين، والحياة الحقيقية...


ليست مجرد ترف استرجاعي، بل هي صرخة صامتة

ترف استرجاعي ؟ كيف يعني ترف استرجاعي ؟

صرخة و صامتة ؟! كيف يعني ؟