قبل "التدوير" بألف عام: روما بنت كنائسها من حجارة الكولوسيوم

انظر إلى الكولوسيوم اليوم: ثُلثا بنيته الأصلية مفقودان، وجدرانه مثقوبة كالغربال. تلك الثقوب ليست فعل الزمن وحده. بناه الرومان بلا ملاط، مثبتين كتل الترافرتين بمشابك حديدية ورصاصية — وفي العصور الوسطى اكتشف الناس أن الحديد أغلى من الحجر، فانتزعوا المشابك من مكانها قطعة قطعة، وتركت الحفر شاهدة على النهب.

ثم جاء الأكبر: تحوّل المدرّج نفسه إلى مقلع حجارة. كاتدرائية القديس بطرس، وكاتدرائية القديس يوحنا اللاتراني، وقصر فينيسيا، وحتى تحصينات ضفاف نهر التيبر — كلها بُنيت بحجارة نُزعت من الكولوسيوم. ولم يتوقف الاستنزاف إلا في القرن الثامن عشر، حين أعلنه البابا بندكتوس الرابع عشر مكاناً مقدساً.

ولم يسلم البانثيون أيضاً: عام 1625 أمر البابا أوربان الثامن — من عائلة باربريني — بنزع برونز رواقه العتيق، فذاب معظمه ليُصنع منه نحو ثمانين مدفعاً لقلعة سانت أنجلو (ويُقال إن جزءاً صغيراً دخل في مظلة برنيني الشهيرة). فعلق الرومان على تمثالهم الساخر «باسكينو» عبارتهم الخالدة: «ما لم يفعله البرابرة، فعلته عائلة باربريني».

الخلاصة: روما الباروكية التي نعشقها اليوم هي في جزء كبير منها روما القديمة معاد تدويرها. «البناء المستدام» لم يُخترع أمس — بل هو عادة عمرها قرون.

كتبت اليوم في مجلة «بيكومين» عن الوجه الحديث من القصة نفسها: متحف في مدينة غنت البلجيكية كُسيت واجهته بطوب معاد تدويره من نفايات المدينة:

أدير مجلة بيكومين، وهي مجلة عربية للاكتشافات.

سؤالي: لو عشت في روما القرن السادس عشر وعرضوا عليك حجارة أثر قديم لبناء بيتك مجاناً — هل كنت تقبل؟


التعليق السابق

انك تنقد كلامي بطريقة السؤال وهو اسلوب ذكي جدا:) سأجيبك، عندما قلت لو كنت مكانهم وليس لدي خيار أعرف انهم في ذلك الوقت كان بناء بيت مشقة كبيرة سواء بنقل الحجارة أو الوسيلة التي تتطلب ثمنا باهضا....لذا قلت سأقبل ولكن حين تحدثت عن الآثار والحقاظ عليها فهي في رأيي تمثل أصالة الشعوب وهوية تاريخها الذي لا يموت وتبقى هي شاهدة على ذلك وترميمها بغير أصلها هو جمال العمارة بذاتها فهو لمسة الحداثة بالاصالة ،والحفاظ عليها مسؤولية الجميع في اي بلد كان ..ان مواضيعك بقدر ماتبرز الجانب المخفي لحصارة ما بطريقة علمية تبرز وجها سياحيا لتلك الدولة فالموضوع يطرح من زاوية واحدة ولكن قارئها يقرؤها من جميع الزوايا فشكرا لك

شكراً يا جوهر على هذا التوضيح الجميل، ونقطتك عن الهوية مهمة جداً. إضافة صغيرة: مبدأ الترميم الحديث يقول إن أي إضافة جديدة يجب أن تكون مميزة عن الأصل وقابلة للعكس، حتى لا يختلط التاريخ بالترميم. وهذا ما قصده سؤالي: الحفاظ لا يعني تجميد الأثر حتى ينهار، بل تثبيته بصدق.