أريد أن أناقش اليوم داءً هو الأخطر في هذا العصر — عصر الشاشات الصاخبة — ولن تكون مناقشتي باردةً كأكاديميٍّ ينظر إلى العالم بتعالٍ من وراء نظارته، إنما كـ مريضٍ مدركٍ لعلّته؛ ودون مواربة، دعوني أحدّثكم عن هشاشة المشاعر، بل وعن فقدان لذة الإحساس ذاته.
بالنظر حولنا، نجد كل شعورٍ قد غدا أجوف:
فلم يعد الحب نبضَ قلبين يعزفان بنظرات الشوق سيمفونيةً خالدة، بل أضحى لقطتين ومقطعاً ومادةً تُقايَض بالنشر والإعجاب.
وحتى الفراق استُبيحت حرمته؛ بتنا ننشر مراثينا ونحن ننسى حرقة الفقد، منشغلين بتنميق الكلمات لتخرج موجعةً ومبهرة، لا صادقةً ومُعبّرة.. كأنما نزرع الوجع عمداً لنحصد التعاطف!
وقِس على ذلك سائر المشاعر؛ فلم يسلم منها حتى أقدسها: علاقة العبد بربه، التي تحوّلت هي الأخرى إلى صرعةٍ وموضةٍ رقمية، في الاقتراب والابتعاد على حدٍّ سواء.
فيا تُرى، هل هذا التبلد مرضٌ قائمٌ بذاته؟
أم أنه عَرَضٌ خبيث لداءٍ متستر يسري في خلايانا دون هوادة، فما إن يلامس شعوراً نابضاً حتى يقضي عليه شيئاً فشيئاً؟!
سأخبركم بالحقيقة كمريضٍ لا كطبيب: إنه "داء السرعة"؛ ذلك القاتل المتخفي خلف كل تبلدٍ نراه، وخلف شلل الفكر، وذاك النهم المسعور لاستهلاك مشاعر أُفرغت من أرواحها.
وإدراك المرض هو نصف الشفاء؛ لذا شعرتُ أن عليّ أن أصدح بالأمر، لعلنا نجتمع لنعيد النبض إلى تلك القلوب، ونتعافى من إدمان الركض، ونعيد ضبط إيقاع حياتنا.. كلٌّ وفق السرعة التي تناسب روحه وفطرته، لا وفق تلك السرعة الجبرية المفروضة في "خانة الضبط".»
التعليقات