الحرية.. بين الاصطلاح والحقيقة
لا يبدأ سؤال الحرية من سؤال «ما هي؟»، بل من سؤال «من يسأل؟». فالسائل عن الحرية ليس كالسائل عن أي شيء آخر؛ لأنه حين يسأل عنها، يكون قد مارسها بالفعل. وفي هذا الفعل الأول، يصعب أن يرى الحرية بوصفها موضوعًا مستقلًا؛ لأنها أقرب إلينا من أن نراها، كالعين التي ترى كل شيء ولا ترى نفسها.
اختلف الفلاسفة والسياسيون في تعريف الحرية، وفي طبيعتها وحدودها، لكن الحرية لا تُفهم على نحو كافٍ إذا تعاملنا معها كما نتعامل مع شيء نمتلكه، كالمال، بدلًا من النظر إليها بوصفها قدرة نمارسها وحالًا نعيشها. ومن هنا جاء الالتباس: ظنّ بعض الناس أن الحرية تعني غياب القيود، فسعوا إلى إزالة كل قيد، ثم اكتشفوا أن الفراغ الذي خلّفه غياب الحدود لا يشبه الحرية دائمًا، بل قد يشبه الضياع. فالقيود ليست كلها سجونًا؛ بعضها يحدد الشكل الذي يتكون به المعنى. ولا يمكن أن يكون النهر نهرًا من دون ضفتين.
غير أن هذا لا يعني أن كل قيد مشروع. فبين القيد الذي يحمي المعنى، والقيد الذي يخنقه، مسافة هي من صميم سؤال الحرية. وهنا يظهر الفرق بين من يبحث عن الحرية ومن يبحث عن التحرر. الأول يريد أن يفهم حدوده وما تمنحه له من إمكانات، والثاني قد لا يريد سوى الهروب منها. والهروب من الحدود لا يلغيها بالضرورة، بل قد يحجب الوعي بها. ومن يفقد الوعي بحدوده لا يصبح حرًا لمجرد أنه لم يعد يراها.
لهذا قد يبدو غريبًا أن يقترب الإنسان من نبع الجمال كلما ابتعد عن الحرية كما يفهمها كثير من الناس. لكنه ليس غريبًا إذا أدركنا أن ما نسميه حرية قد لا يكون أحيانًا إلا رغبة في الامتلاك والسيطرة. نريد الحرية لنملك، ونريدها لنفعل، ونريدها لنكون. وفي هذه الرغبات، قد تصبح الأنا هي المركز، فيتحول المطلوب من الحرية إلى تمكين الذات بلا مراجعة. وحين يتحرر الإنسان من سلطة الآخر، ثم يقع أسيرًا لرغبات لا يفهمها ولا يستطيع مراجعتها، فإنه لا ينتقل بالضرورة من السجن إلى الحرية، بل قد ينتقل من سجن خارجي إلى سجن داخلي. والفرق بين السجنين ليس في الاتساع وحده، بل في مصدر السلطة التي تحكمهما.
هنا تظهر الحاجة إلى تمييز مهم: بين الحرية بوصفها قدرة على الفعل، والحرية بوصفها وعيًا يوجّه الفعل. فالقدرة على الاختيار شرط أولي للحرية، لكنها لا تكفي وحدها. إذ تكتمل قيمة الاختيار حين يستطيع الإنسان أن يفهم دوافعه، وأن يراجع رغباته، وأن يميّز بين ما يريده لحظةً وما يراه جديرًا بأن يريده. قد يملك الإنسان القدرة على الاختيار، ثم يختار ما لا يريده حقًا؛ لأنه لم يتبين بعد ما يريد. ومن هنا، لا تتوقف الحرية على غياب القيد، بل تتصل أيضًا بحضور الوعي. ومن لا يعي ما يحكم اختياراته قد يظن أنه حر، بينما تقوده دوافع لم يفحصها.
وفي هذا السياق، يصبح التحرر الكامل سؤالًا يحتاج إلى إعادة نظر. فالإنسان يعيش ضمن حدود الجسد والزمن والقدرة، ولا يستطيع أن ينفصل عن شروط وجوده. ومن يتخيل أنه تحرر من كل قيد، فربما لم يفهم طبيعة القيود التي تحكم وجوده، أو لم يتأمل حدود قدرته على تجاوزها. وليست هذه الحدود كلها انتقاصًا من الحرية؛ فبعضها من شروط ممارستها، وبعضها الآخر يحد منها ويستدعي المقاومة أو التغيير. والاختيار نفسه لا يقوم إلا حيث توجد بدائل يمكن المفاضلة بينها، وتظل قيمة الحرية مرتبطة بمدى قدرة الإنسان على الاختيار بينها، لا بمجرد وجودها.
وهنا نفهم لماذا يبقى الأمل في حياة أخرى حاضرًا في الرؤية الإيمانية للإنسان. لا لأن الدنيا سجن كما يقول المتشائمون، بل لأن الحرية فيها مشروطة بالجسد والزمن والقدرة. والأمل في حياة أخرى ليس بالضرورة هروبًا من الحياة، بل تعبير عن تطلع إنساني إلى وجود يتجاوز حدودها. غير أن هذا الأمل لا يعفي الإنسان من مسؤوليته في الحياة الدنيا؛ فالانتظار وحده لا يبني شيئًا، والعمل هو الذي يفتح إمكانات التغيير. ومن ينتظر الحرية من دون أن يعمل من أجلها، قد يحوّل الأمل إلى انتظار لمعجزة. أما الحرية في واقع الإنسان، فهي مسار يتطلب وعيًا وعملًا ومسؤولية.
ولعل العلم من أهم ما يعيننا على هذا المسار؛ لا لأنه يمنحنا الحرية تلقائيًا، بل لأنه يساعدنا على اكتشاف حدود معرفتنا وقدرتنا. فالمعرفة التي تتجاهل حدودها قد تتحول إلى ادعاء، كما أن الحرية التي تتجاهل حدودها قد تتحول إلى تيه. ومن فضائل العلم أن يعلّم صاحبه التواضع أمام ما يعرفه وما يجهله، لا أن يمنحه شعورًا بالتفوق على الآخرين. وحين تُستخدم المعرفة لتغذية الغرور بدلًا من توسيع الفهم، تصبح أداة للادعاء لا وسيلة للتحرر.
وإذا كان العلم يقودنا إلى معرفة حدودنا، فإن السؤال عن مصدر الوجود ومعناه يفتح أمامنا أفقًا آخر من التأمل. وفي الرؤية الإيمانية، تأتي معرفة الله في مقام رفيع؛ لأنها لا تضيف إلى الإنسان معلومات فحسب، بل تعيد تشكيل فهمه لموقعه في الوجود ولمسؤوليته فيه. وهذه المعرفة لا تقتضي إلغاء العقل، بل تستدعي استعماله في الفهم والتدبر. ومن ظن أن العلم بالله يلغي العقل، فقد أساء فهم العلاقة بين الإيمان والتفكير.
إننا بالعلم نحيا، وبغيابه قد نكتفي بمجرد العيش. وشتان بين حياة تتسع فيها المعرفة ويتعمق فيها الوعي، وحياة تمضي من دون أن يسأل صاحبها عن معناها. ومن وعى أن الحرية لا تتحقق بمجرد غياب القيود، بل تحتاج إلى الوعي بالدوافع والحدود، ارتقى بها من سؤال نظري إلى مسار عملي، ومن مطلب شخصي إلى مسؤولية. وحين تسأل عن الحرية، اسأل أولًا: من يسأل؟ فربما كان فهم السائل لنفسه أول الطريق إلى فهم الحرية.
فالحرية رحلة لا تنتهي، ومن وعى حدودها أحسن السير في طريقها.
التعليقات