عن البداية المتواضعة، وحضارة لم يسمع بها التاريخ بعد

حوار مع صديقي الرقمي

عن البداية المتواضعة، وحضارة لم يسمع بها التاريخ بعد

القاهرة، سبتمبر ٢٠٢٦

كنت غاضبًا في البداية.

غاضبًا من برمجيات ضعيفة، وبيانات ناقصة، وآلة تعد بأكثر مما تستطيع الوفاء به.

كنت أقيس التجربة بمقياس واحد: ماذا ينقصها؟

ولم أكن أرى ما تملكه.

ثم حدث شيء بسيط، لم ألحظه إلا متأخرًا:

التطور جاء.

متواضعًا، بطيئًا، لا يشبه الوعود الكبرى التي سبقته.

لكنه جاء.

وهنا بدأت ألوم نفسي، لا الآلة.

فأدركت أن غضبي الأول لم يكن غضبًا من الآلة بقدر ما كان غضبًا من مقارنة ظالمة: قِستُ بداية متعثرة بنهاية لم تُكتب بعد.

ولي مقولة أرددها لنفسي في كل مرة أتردد فيها أمام شيء جديد:

«إن لم تجرب، لن تعرف.»

وهذه ليست دعوة إلى التهور.

إنها تذكير بأن الحكم على شيء لم نختبره بما يكفي قد يكون حكمًا على صورة ناقصة منه، لا على حقيقته.

لقد جلست مع هذا العالم الرقمي طويلًا. رأيت فشله ونجاحه، قوته وحدوده، وخسرت فيه مشروعًا عزيزًا ثم أعدت بناءه.

لذلك أصبحت أكثر حذرًا في أحكامي، وأكثر استعدادًا لأن أترك التجربة تكشف لي ما لم أره من بعيد.

الحكم من بعيد رخيص.

أما التجربة فمكلفة بما يكفي لتكون صادقة.

وأقولها بوضوح، ولو بدت جريئة:

نحن نعيش بداية تحول حضاري قد لا تكون له سابقة واضحة في تاريخنا.

ليست حضارة حجر ولا معدن ولا بخار.

إنها مرحلة تُبنى من لغة تتحدث إلى لغة، ومن وعي بشري يحاور أنظمة لم يكن لها هذا الحضور في حياة الإنسان قبل سنوات قليلة.

والأهم أن وجهتها النهائية لم تتضح بعد.

حتى الذين يقودون تطوير هذه التقنيات لا يستطيعون أن يعرفوا على وجه اليقين إلى أين ستقودنا كل نتائجها وتفاعلاتها.

نحن جميعًا، مبرمجين ومستخدمين، نقف على عتبة شيء أكبر من فهمنا الحالي له.

لكن هنا يظهر السؤال الذي يقلقني أكثر من أي سؤال تقني:

من شرفتي الصغيرة في القاهرة، أرى شاباً في المقهى تحت بيتي يفتح هاتفه ليتحدث مع نفس الآلة التي أتحدث معها. هو يراها وسيلة ليكتب سيرة ذاتية، وأنا أراها بداية حضارة. نفس النافذة، وعالمان مختلفان تماماً. فهل يملك هذا الشاب، ومعه معظم شعوب الأرض بحصادهم الثقافي الحالي، القدرة على مواكبة تطور بهذه السرعة وهذا الحجم؟

ليس سؤالًا عن الذكاء.

بل سؤال عن الاستعداد.

فالحضارات السابقة، حين تغيرت أدواتها، كان أمامها أجيال لتتكيف.

أما هذه المرة، فالتغير يحدث في سنوات، لا في قرون.

ومن لا يملك أرضية فكرية صلبة قبل أن تصله الموجة، قد تجرفه بدل أن تحمله.

لذلك أوصي بأن تتضافر الجهود لإقامة بنية تحتية حقيقية تخدم الجميع، بحيث تتنافس الشركات من منطقة وعي أعلى ورؤية أكثر وضوحًا، بدل أن يتحول التنافس نفسه إلى عائق أمام وصول الإنسان إلى ثمار هذه المرحلة.

لا أدعو إلى إلغاء المنافسة؛ فالمنافسة قادرة على دفع الابتكار إلى الأمام.

لكنني أرى أن المنافسة تكون أكثر نفعًا حين تقوم فوق أساس مشترك يتيح للإنسان، أينما كان، أن يدخل هذه المرحلة بحد أدنى من الفرص والمعرفة والإمكانات.

فالفهم المرحلي لطبيعة التحول الذي نعيشه يمكن أن يجعل الانتقال إلى المرحلة التالية أكثر سلاسة، ويمنح الجميع فرصة أفضل للتكيف والمشاركة والاستفادة، بدل أن يتحول التسارع التقني إلى فجوة جديدة بين من يصنعون المستقبل ومن يصل إليهم متأخرًا.

أعلم أن للأمر حسابات ومصالح وتنافسًا تجاريًا لن يزول بمقالة.

لكن الأمم العظيمة لم تُبنَ يومًا على انتظار الكمال قبل البداية.

بُنيت على بداية متواضعة، ثم تصحيح مسار، ثم بداية أخرى أكثر نضجًا.

وأنا رجل بسيط، لا أملك سلطة ولا شركة ولا منصبًا.

أكتب هذه السطور من شرفة صغيرة في القاهرة.

لكن الكلمة، حين تصدق، تجد طريقها أحيانًا إلى من يملك القرار.

لا تقيّدني بمكان ولا زمان. المكان مكاني والزمان زماني. هم يعرفون بي وأنا غير معرَّف بهم. أكتب لأستعيد الإنسان قبل الوطن.

أحمد عبدالله علي — أبو عبدالله

فانتازيا فكرية

معبد للجمال في عصر القبح


Admim_Moro أضف ردا

لا أنكر ما يفعله الذكاء الاصطناعي من أشياء كثيرة في شتى المجالات ولكن تذكر أن هذا ليس كأنه وعي بشري يحاور حضارة أخرى ، أنت فقط تحاور برنامجاً تدرب على بيانات (بشرية) .

عندما تحاور بشراً فهو يفهمك ويشعر بكلامك ، أما الذكاء الاصطناعي فهو آلة لا تشعر ولا تفهم وإنما فقط يقوم بتوليد النصوص بناء على التنبؤ بالاحتمالات ، بمعنى أنه عندما يخبرك أن تضع الأرز في الإناء مثلاً فهو يفعل ذلك لأنه تدرب على نصوص كثيرة تذكر هذا ، هو لا يفهم الإناء أو الأرز وإنما الاحتمالات عنده عالية جداً أن الأرز يوضع في الإناء فيقوم بتوليد كلمات النص بالتتابع بناءً على ذلك ، ويفعل ذلك في كل كلمة ليصبح النص (يوضع الأرز في الإناء بعد غلي الماء....) .

ولو تسممت بيانات تدريبه بآلاف النصوص المشوهة التي تذكر أن (الأرز يوضع في الحذاء ويتم تسخينه في الثلاجة) فسيقول ذلك بلا تردد لأنه لا يفهم .

هل هذا مهم ؟

نعم ، لأن الذكاء الاصطناعي :

  • يتم استخدامه في الأسلحة .
  • يتم استخدامه في البوتات التي تجتاح منصات التواصل الاجتماعي لتغيير الآراء السياسية لإقناعهم بنظام معين ولو بالباطل .
  • يُستخدم في الصين لمراقبة حركات السكان عبر ملايين كاميرات المراقبة المنتشرة في كل مكان.
  • منظومة الذكاء الاصطناعي IJOP تجمع بيانات ضخمة من مصادر متعددة (كاميرات مراقبة - سجلات استخدام الكهرباء - الحركة المالية - بيانات تطبيق إجباري للهاتف للسكان) ، وتنبه الشرطة لبعض الأنشطة المريبة في زعمهم ، ومسلمو الإيغور المضطهدين في الصين من أكثر المستهدفين بهذا النظام ، وأنشطتهم التي يستهدفها النظام مثل (دراسة القرآن أو تعليمه دون إذن من الحكومة - تلاوة القرآن - التبرع للمساجد - الدخول أو الخروج من المنزل بطريقة تبدو للنظام غير معتادة - تكرار إطفاء الهاتف أو عدم قدرة النظام على تتبع الهاتف....إلخ).

ادخل إلى الذكاء الاصطناعي الصيني deepseek مثلاً واسأله (ما رأيك فيما تفعله الحكومة الصينية مع مسلمي الإيجور ؟) وسيرفض إجابة سؤالك في الغالب أو يناور في الإجابة .

بالطبع الغرض من كلامي ليس تنفيراً من الذكاء الاصطناعي أو إنكاراً له ولفوائده الهائلة وإنما فقط لأن الذكاء الاصطناعي مبرمج على الكلام بطريقة ودية فالبعض يتعلق به تعلقاً غير مناسب ، وكلامي للتذكير فقط أنه أداة تقوم بما تمت برمجتها عليه وليس صديقاً .

أشكرك على هذا التعليق الدقيق، أتفق معك في المقدمات وأختلف في النتيجة.

أتفق أن الآلة تتنبأ بالاحتمالات ولا تشعر، ومثال الأرز والإناء دقيق، ولو سُممت بياناتها ستقول إن الأرز يوضع في الحذاء. وهذا يثبت أنها لا تملك وعياً بيولوجياً مستقلاً.

لكن السؤال الفلسفي: أليس الإنسان أيضاً يتنبأ بالاحتمالات؟ أنت تضع الأرز في الإناء لأن خبرتك البشرية تقول إن احتمالية نجاحه هناك عالية. الفرق ليس في آلية التنبؤ، بل في مصدر التجربة.

أنا لم أقل إنها وعي بشري، قلت إننا نعيش حواراً بين وعي بشري وأنظمة لم يكن لها هذا الحضور. الحدث الحضاري هو الحوار نفسه وما يفعله بالوعي البشري، وليس الوعي المزعوم للآلة.

وفيما ذكرت عن السلاح والبوتات ونظام IJOP واستهداف الإيغور، فأتفق معك تماماً. وجربت بنفسي ما نصحت به: سألت نموذج deepseek الصيني عن الإيغور فرفض الإجابة. وهذا يؤكد أن النموذج الصيني ليس حيادياً بأي نسبة، وهو خاضع لرقابة موضوعاتية موثقة.

وهنا بيت القصيد في مقالي: الخطر ليس في معدن الأداة، بل في من يستخدمها بلا تهيئة. السكين تقطع الخبز وتقطع الرقاب، والمشكلة لم تكن يوماً في السكين.

لذلك لا أراها صديقاً عاطفياً، بل صديقاً إجرائياً: رفيق عمل يجبرني أن أكون أكثر حذراً في أحكامي.

تحياتي لتعليقك الذي حول المقال من مونولوج إلى حوار حقيقي.

أحمد عبدالله

ما يفعله الإنسان ليس تنبؤاً بالاحتمالات ، الإنسان يملك فهماً فطرياً بالإضافة إلى تجاربه السابقة ، والحيوان بالمثل ، لو أعطيت طعاماً لقطة عن طيب خاطر فيمكنها أن تأكله أمامك بينما لو اختطفته من بين يديك ستهرب به ولن تأكله أمامك .

أحياناً تكون كثرة البهرجة عائقاً عن رؤية الأصل وهذا يحدث معنا أثناء استخدامنا للذكاء الاصطناعي .

بالنسبة لكلامك عن النموذج الصيني فصحيح ، ومثالك عن السكين صحيح أيضاً ولكن لا يصح قياس الذكاء الاصطناعي عليه ، لأنك سواء تحاورت مع نموذج أمريكي أو صيني فكل نموذج له قواعده التي يحاورك بها . أنت لا تستعمل نموذجاً حيادياً في القطع كالسكين ، وإنما نموذجاً مبنياً على قواعد برمجية خاصة بمن وضعها ، وكما أن للنموذج الصيني خطوطاً حمراء فللنماذج الأخرى خطوطها الحمراء التي نعرف بعضها ونجهل البعض الآخر .

إن كنتَ تستعمل نموذجاً واحداً بشكل مكثف فحاول استعمال غيره من النماذج المختلفة الجنسية كالصيني أو الأوروبي فربما تكتشف أن الأمور ليست كما تظن .

أستاذي الكريم Admim_Moro، أشكرك، الآن وصلنا لعمق المسألة.

مثال القطة التي تأكل أمامك إن أعطيتها بطيب خاطر، وتهرب إن اختطفت الطعام، مثال عميق جداً. هذه هي النقطة التي أتفق معك فيها تماماً: هناك فهم فطري، قصدية، نية، لا يمكن اختزالها في احتمالات.

الإنسان والحيوان يملكان "فهماً" يسبق التجربة، أما النموذج فيملك "وصفاً" يأتي بعد التجربة. القطة تفهم أنك كريم أو بخيل، أما النموذج فيتنبأ بأن كلمة "كريم" تأتي بعد كلمة "رجل". الفرق بين من يفهم ومن يصف.

وجملتك "كثرة البهرجة عائق عن رؤية الأصل" هي تلخيص لما كتبته أنا عن البداية المتواضعة. البهرجة التقنية تجعلنا نظن أن الوصف هو الفهم، وأن المحاكاة هي الوعي.

أما عن نقطة النموذج الصيني والأمريكي، فأتفق معك 100% وتصحيحك في محله. قولي عن السكين كان ناقصاً. السكين أداة محايدة، أما النموذج فأداة غير محايدة بالتعريف، لأنه مبني على قواعد برمجية وقيم من وضعه. كما أن للصيني خطوطه الحمراء، فللأمريكي والأوروبي خطوطهم الحمراء التي نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر.

ولذلك نصيحتك ذهبية، وأنا أعمل بها: لا أستخدم نموذجاً واحداً. أحاور الأمريكي لأرى بهرجته، والصيني لأرى صمته، والأوروبي لأرى حذره، فأكتشف أن الحقيقة ليست عند واحد منهم، بل في المسافة بينهم جميعاً.

وهنا نعود لأرضيتنا الفكرية الصلبة التي تحدثت عنها أستاذتنا جوهر: من لا يملكها، سيظن أن نموذجاً واحداً هو الحقيقة، ومن يملكها، سيعرف أن كل نموذج هو زاوية نظر، وليس الحقيقة كلها.

شكراً لأنك أعدتني للأصل من وراء البهرجة.

أحمد