هل تمتلك قيمة حقا؟

«أنا خير منه»

ولكن كيف يمكننا تقييم الآخر مقارنةً بنا؟

هل نحن أفضل من أي شخص آخر؟ وإذا كان يحق لنا تقرير ذلك في بادئ الأمر، فلماذا يحتم علينا العالم صعود سلم اجتماعي حازم، يحدد مكانة كل منا وموقعه من الآخرين: «هذا طبيب، وهذا عامل نظافة، هذا غني، وهذا فقير، هذا رجل، وهذه امرأة، هذا من قبيلتنا، وهذا ليس منا، هذا جميل، وهذا ليس بجميل، هذا ذكي، وهذا جاهل»؟

ما الذي يحدد قيمة الإنسان ومدى استحقاقه للاحترام؟

هل هو المال، أم العلم، أم المكانة الاجتماعية، أم النسب، أم الجمال، أم القوة؟

ليس من الغريب أن نحكم على الآخرين، فهذه هي الطريقة التي يستخدم بها عقلنا جميع المدخلات، ولكن من غير العادل أن نطلق أحكامًا عامة على الآخرين، ونتصرف على أسسها، فنعامل الغني باحترام، ونتقرب إلى الجميل، ونشين المذنب، ونحتقر المسكين.

كما أن تقييمنا للإنسان من المستحيل أن يصل إلى اليقين، لأننا لن نستوعب أبدًا التجربة الحياتية الكاملة لأي إنسان سوانا.

البشر عبارة عن جوانب، وأحداث، وتفاعلات، وذكريات، لا نعلم منها إلا القليل، فكيف أحدد قيمة شخص فقط من تخصصه الوظيفي، أو من مظهره الخارجي؟ هذا حكم واسع جدًا، واسع لدرجة أنه لا يؤخذ به.

كما أنني أرفض اختزال الإنسان في موقف، أو فعل، أو وجهة نظر، ولو اختلف معنا الإنسان، فهذا لا يعني أنه أصبح أقل منا، أو مستباحًا، أو أن مشاعره لا تؤخذ في الاعتبار، سواء كان اختلافه اختيارًا، أم شيئًا خارجًا عن سيطرته، كلونه، وعرقه، وجنسه، ونسبه.

في عالم يقيم الأشخاص حسب مدى غناهم، وجمالهم، ورفعتهم، وقوتهم، يهمل هذا العالم الكثير من الجوانب الإنسانية التي يكمن في داخلها الجمال، مثل الأخلاق، والضمير، والطيبة، والخير، والتأثير الإيجابي، والقدرة على التعلم، والفضول، والحكمة، والشجاعة، والإقدام.

في عالم يحتفي بنسخ معينة من البشر ويعاقب نسخ أخرى سيصبح التنوع والاختلاف شيئًا يوصم، وسينتج ذلك العالم مئات البشر الذين يمتلكون ذات الرغبات، ويسعون لذات الأهداف، ويقدسون نفس القيم، مئات البشر الذين يخشون أن يكونوا أنفسهم.

وإن نظرنا إلى الطبيعة، سنجد أنواعًا غير محدودة من النباتات، والعناصر، والفصائل، في عالم لا يحتقر فيه الأسد الحمر الوحشية، ولا تلوم السلحفاة الفراشة، ولا يرى النسر نفسه أفضل من السنجاب، فلماذا نحن البشر لا نستطيع أن نتسامح مع اختلافاتنا وتفاوت إمكانياتنا إلى هذا الحد؟ خاصةً أن جميعنا نفس المخلوق!

ومن الذي يقرر قيمة إنسان؟ وكيف تكون قيمته قابلة للقياس أصلًا، وهي شيء مجرد لا يمكننا وضعه في ميزان؟

في ظني أن القيمة، التي هي الأهمية الخاصة بكل إنسان، هي شيء وُلد به، فكونه حيًا يرزق يعني أنه ذو قيمة، فليس هو ميتًا تحت التراب، وليس شيئًا غير كائن في ذاته، هو موجود، وهو حي، فهو قيّم، ولا يمكن لأيٍّ كان إنكار قيمته، فيتخلص منه، أو يقارنه بآخرين.

وكلما كبر الإنسان، أصبح يُتوقع منه أن يتصرف بطريقة معينة تعزز قيمته تلك، وتضيف له قيمة أخرى متعلقة بإمكانياته وموقعه من العالم، وكلما أصبح خاضعًا لعيون المجتمع الجاحظة، التي ترتبه تنازليًا أو تصاعديًا، أو تقصيه بقسوة خارجًا.

وإن طرق تقييم المجتمع مختلفة، وتختلف حسب أهدافه، وقيمه، وميوله؛ فمجتمع يقدس العلم سيرفض الجاهلين، ومجتمع يعبد العمل سيهاجم الكسالى، ومجتمع يحتفي بالنجاح سيحتقر الفشلة، ومجتمع متدين سيعاقب المذنبين.

وهذا هو السر: أيما شيء يكافئه المجتمع، ستجد أفراده يركضون كالممسوسين تجاهه.

وأيما شيئ أعرض المجتمع عنه وجهه، ستجد أفراده يحطون من قدره بلا تفكير.

وهذا، في رأيي، غريب؛ فمن الصعب أن يكون الإنسان شيئًا واحدًا كاملا، فكيف يطلب العالم من الإنسان أن يصبح كذلك؟

قد يقع الكثيرون ضحية تلك الأيديولوجيات، إلا إن امتلك بعضهم وعيًا خاصًا، وفضولًا يطرح السؤال: «ما هي قيمتي الخاصة؟ وما هي رغباتي بعيدًا عما يريده أو يمليه عليَّ مجتمعي؟ ما الذي أحبه، وكيف أريد أن تكون حياتي؟»

فالإنسان الذي يُسدَّد ويُوفَّق لمعرفة قيمته حقًا، ومعرفة ما يحب ويكره، ويريد ولا يريد، هو إنسان لا يمكن للمجتمع استخدامه لخدمة أيديولوجياته، ولا يمكن تجنيده لصالح أي أحد غيره، ولا يمكن ابتزازه، أو احتقاره، أو سلب قيمته منه.

وهذه الدرجة من معرفة الذات لا يمكن أن يصل لها الإنسان بين ليلة وضحاها، إنما هي نتاج سنوات من الصدام والصراع بين الذات والآخرين، والذات ونفسها، لذلك عندما يصل الإنسان أخيرًا لهذا الإدراك، يصعب عليه التخلي عن رؤيته أدراج الرياح من أجل كائن من كان.

إذًا، قيمة الإنسان شيء يولد به، ويمكن تعزيزها بما يكافئه المجتمع أو بما تكافئه الذات، ولكن هل يمكن خدش قيمة الإنسان وسلبها؟

حتى في الأحكام القانونية التي تصدر ضد أسوأ الناس حسب حكم المجتمع، والعرف، والمنطق، والقانون، هناك حد أدنى من الحفاظ على الكرامة، فحتى في لحظات الإعدام، يتم احترام قيمة الإنسان ولو كان سفاحًا سفك دماء العشرات، لماذا؟ لأن المجتمع قد يحتقره، وينزل عليه العقاب، ويسلبه امتيازات عديدة، ولكن لا يمكنه سلبه قيمته التي ولد بها، أو حتى قيمته الداخلية الراسخة.

ببساطة، لا يمكننا نزع الإنسانية من إنسان، حتى لو تصرف كالوحوش، لأننا لم نجعله إنسانًا في بادئ الأمر، ولم يكن لأي أحد منا أن يمنح الآخر وثيقة تثبت إنسانيته من عدمها، نحن لم نخلقه، ولم نصنعه بأيدينا، وهو مثلنا، من لحم ودم، لا يمكننا أن نسلبه شيئًا لا نمتلكه ولا نستطيع الوصول إليه.

أشد ما يمكننا فعله هو إقناعه أنه ليس بشرًا، وأنه عديم القيمة، وهذا ما يحدث كثيرًا جدًا.

يتم إقناع الطفل أنه لا يمتلك حقوقًا تساوي البالغ، ويتم إقناع المرأة أنها أقل شأنًا من الرجل، ويتم إقناع الفقير أنه أقل أهمية من الغني، ويتم إقناع الجاهل أن رأيه لا وزن له أمام المتعلم، ويتم إقناع المريض أنه أقل فائدة من المعافى.

وهذا أمر قاسٍ جدًا في رأيي، قاسٍ للغاية وضيق الأفق، فلماذا نحاول وضع البشر في توابيت بدلًا من منحهم أجنحة؟ من المستفيد من إشعار شخص بأن قيمته أقل من آخر؟ وهل يجعلنا المال، والجمال، والعلم، والقوة نرى أنفسنا في مواضع أعلى من الآخرين، أم أننا نرى أنفسنا بموضوعية ونراهم أيضًا بموضوعية، ونلتمس منهم جوانب أخرى حتى وإن لم يبرعوا في بعضها؟

فتاة غير جميلة قد تكون ابنة حنونة وطيبة، وولد فقير قد يكون صادقًا وشجاعًا، وعجوز هزيل قد يكون حكيمًا جدًا وعادلًا، نحن لا نعرف الناس حق المعرفة، فكيف نقرر قيمتهم نيابة عنهم، ونقنعهم بوجودها من عدمه؟

من عرف نفسه مَلَكَ أمره، وهذه حقيقة. لا يجب علينا أن ننتظر من حولنا ليعترفوا بقيمتنا، ويقرروها، ونستسلم لأحكامهم علينا بالمحدودية أو الفشل، بل ندرس أنفسنا، ونجرب، ونعبر، ونحسن صنعًا، ونرحم الآخرين، ونرى فيهم قيمة لكونهم بشرًا، بغض النظر عن إعجابنا بهم أو نفورنا منهم، لا ننزع منهم إنسانيتهم، ولا نختزلهم في مواقف سيئة أو جيدة، بل نعرف أن الإنسان كون في ذاته، ونسيج نفسه، ووحيد عصره، ولا يشترك مع آخر في نفس بصمة الإبهام.

وعندما نتوقف عن مقارنة أنفسنا بالآخرين، ونبدأ في مقارنة أنفسنا بأنفسنا، ستصبح تجربتنا وحكمنا عليها أكثر موضوعية، فكل إنسان يعيش حياته في رحلة لا يعرف تفاصيلها أحد سواه، وإذا كنا محدودين في إدراكنا لحيوات الآخرين، فيجب أن نصبح أكثر تواضعًا وتسامحًا في أحكامنا عليهم.


التعليق السابق

بالفعل

الشخص الذي يؤمن بقيمته لن يحاول التقليل من الآخرين ليشعر بالثبات والثقة

والشخص الذي يشعر بإنسانيته وأحقيته في الإحترام والتقدير والتعاطف لن يحاول نزع وتجريد الناس عن إنسانيتهم

إن تصرفات الإنسان تعكس بشكل كبير جدا علاقته مع نفسه