ثورة على النفس

ثورة على النفس

لم أكن أعلم أن أخطر عدو يواجهه الإنسان… هو نفسه.

كنت أظن الثورة في الشارع، أو على الظلم، أو على الزمن.

حتى اكتشفت أن أعظم ثورة تبدأ من الداخل.

حين يقف المرء أمام مرآته، وينظر في عينيه طويلاً، ثم يقول بصوت خفيض لكنه قاطع:

كفى.

كفى أن أظل أسير عادات لم أخترها.

كفى أن أحمل أفكارًا ورثتها دون أن أسأل إن كانت تليق بي.

كفى أن أخاف مما لا يستحق الخوف، وأن أتردد أمام ما يستحق الإقدام.

بدأت الثورة همسًا في منتصف الليل.

همسًا يشبه الاعتراف الأخير:

«أنا لستُ هذا الذي أكونه الآن».

ثم تحول الهمس إلى ألم.

لأن النفس لا تُسلّم بسهولة.

هي تعرف نقاط ضعفي أكثر مما أعرفها أنا.

تعرف كيف تعيدني بلطف إلى الراحة القديمة، إلى الأعذار المألوفة، إلى الكسل الذي يرتدي قناع الحكمة.

كنت أظن أن معرفة النفس كافية.

لكن المعرفة بلا تمرد ليست إلا خريطة دقيقة للسجن.

الثورة الحقيقية هي أن تكسر الباب، وأنت تعلم أن الخارج مجهول، ومخيف، ولا أحد ينتظرك هناك.

أنا الشيء ونقيضه في آنٍ واحد.

أنا الذي اعتاد الاستسلام… وأنا الذي يرفض أن يستمر.

أنا الذي يبحث عن الأمان… وأنا الذي يلقي بنفسه في المجهول عمدًا.

في طفولتي كنت أثور على كل شيء: على النوم المبكر، على الأوامر، على الحدود.

ثم كبرت، وبدأت أثور على نفسي.

فاكتشفت أن هذه هي الثورة الوحيدة التي لا تنتهي، ولا تهدأ، ولا تكتمل أبدًا.

كل يوم أكتشف جزءًا جديدًا مني يحتاج إلى تمرد.

جزءًا يفضل الصمت على الكلام.

جزءًا يختار السلامة على الصدق.

جزءًا يخاف أن يصبح أكبر مما هو عليه الآن.

الثورة على النفس ليست حدثًا.

هي سلسلة قرارات صغيرة شجاعة تُتخذ في الظلام.

هي أن تقول «لا» لما اعتدت أن تقول له «نعم».

هي أن تختار الألم المؤقت على الراحة التي تقتلك ببطء وصمت.

أحيانًا أنجح.

أحيانًا أعود إلى الوراء.

لكنني لم أعد أعتبر العودة هزيمة.

العودة جزء من المعركة.

والمهم أنني ما زلت أحارب.

لأنني اكتشفت حقيقة بسيطة وقاسية لا مفر منها:

الإنسان الذي لا يثور على نفسه… يموت وهو حي.

أحمد عبدالله علي عبدالله


التعليق السابق

أستاذة جوهر، أعتذر، ردي السابق كان خطأ في النسخ.

فهمت قصدك الآن، أن الثورة على النفس بحث عن جوهر مفقود، مع الوعي بما هو ثابت ومتأصل فينا.

شكراً لتوضيحك.