# ماءُ السماء
تأمّلتُ وجهها، فرأيتُ السماء.
تلك الندوب الصغيرة، وذلك النمش المتناثر على الخدّين، لم يكونا عيوبًا تُخفى، بل كانا رسمًا سماويًا: نجومًا تناثرت، وكواكب استقرّت في مدارها الخاص على أديمٍ من نور. من قال إنّ الجمال يُقاس بالكمال؟ إنّ في العيب أحيانًا سرّ الجلال، وفي الأثر حكاية لا يرويها الصقل والاستواء.
ورأيتُ روحها. لم تشِخ، رغم ما مرّ بها من سنين. ما زالت تحمل في داخلها ذلك الطفل الذي يقف أمام العالم بعينين متّقدتين، يريد أن يجرّب، أن يلمس، أن يتذوّق، أن يعرف. فضولٌ لم تُطفئه الأيام، وشغفٌ لم تُبلِه التجارب.
كانت **نقيّة كماء قُراح**، صافية لا كدر فيها ولا غشّ، تُروى منها الروح كما يُروى الظمآن من عين صافية لم تُخالطها شائبة.
وكانت **جامحة كماء نهرٍ منهمرٍ من أعالي الجبال**، فيها قوّة لا تُروَّض، واندفاعٌ نحو الحياة لا يعرف التردّد، تشقّ طريقها بثقةٍ من لا يخشى الانحدار.
ثم في لحظةٍ أخرى، كانت **هادئة كقطرة ندى على زهرة**، رقيقة، خافتة الصوت، تحمل في صمتها من المعنى أكثر مما تحمله ألف كلمة.
كانت **طاهرة كماء عيسى من السماء**، و**كريمة كماء زمزم** الذي لا ينضب عطاؤه ولا يخيب قاصده، **غامضة كينبوعٍ** يخرج من صخرةٍ لا يُعرف له أصل، ثم يتفرّع في الأرض، يسري في عروقها الظامئة، يسقي ذلك الجفاف، وتلك اليباس، حتى تدبّ فيها الحياة من جديد.
وكأنّ الآية تصفها حين يقول الحقّ سبحانه:
> **﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾**
> *[سورة الحج: 5]*
فكما ينزل الماء على الأرض الهامدة فتهتزّ وتربو وتُنبت من كلّ زوجٍ بهيج، كذلك كانت هي: ماءً يهبط على القلوب الجافّة فيبعث فيها الحياة، ويُخرج منها ما كان كامنًا من جمالٍ وأمل، لم يكن يحتاج إلا إلى قطرةٍ منها لينبت.
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش