لطالما قُدّمت لنا رواية واحدة، تُحفظ في المدارس وتُردد في الخطب، تقول إن أوروبا خرجت من قارتها لتحتل العالم وتنهب ثرواته. لكن من يفتح الخريطة ويقرأ الوقائع على الأرض، لا في الكتب المؤدلجة، يجد رواية أخرى جديرة بأن تُسمع.
إن أول ما يصدم الباحث هو حجم الوجود الأوروبي الحقيقي. فالساحل الهندي يمتد لأكثر من ستة آلاف كيلومتر، ولم يكن للبرتغاليين فيه سوى جوا، وهي مدينة مساحتها أربعة كيلومترات في ثلاثة، وديو وهي جزيرة لا تزيد عن أحد عشر كيلومترا. وساحل أفريقيا يمتد لستة وعشرين ألف كيلومتر، ولم يكن لهم فيه سوى خمس نقاط: سبتة، والمينا، ولواندا، وجزيرة موزمبيق التي مساحتها كيلومتر ونصف في ثلاثمائة متر، وممباسا. فهل من يملك دكانا على شارع طوله آلاف الكيلومترات يسمى محتّلا للشارع كله؟
والحقيقة أن ما كان يسمى امبراطورية لم يكن امبراطورية أرض، بل كان امبراطورية بحر. لم يكن هدف البرتغالي أن يحكم الهنود أو الأفارقة، بل كان هدفه أن يؤمّن الطريق. فالعالم قبل القرن الخامس عشر كان يعيش تحت احتكار خانق، تحتكره المماليك في مصر والبنادقة في البندقية، يبيعون الفلفل والدواء بألف في المئة من ثمنه، والناس تموت لعدم قدرتها على شراء الدواء. فجاءت الفتوحات الجغرافية لتكسر هذا الاحتكار. جاء البحار الذي قضى سنة ونصف في البحر، يموت نصف طاقمه من الاسقربوط، ويرسم الخريطة بدمه، ليقول للتاجر المحتكر: انتهى زمن احتكارك.
ولذلك لم يكن نظامهم نظام احتلال، بل كان نظام تأمين طرق. وهو النظام الذي عرفته البشرية كلها، ويسمى اليوم الكارتاز أو تصريح المرور. كما كان المملوكي يأخذ عشرين في المئة ضريبة في الاسكندرية من التاجر البرتغالي، جاء البرتغالي وأخذ ضريبة في هرمز وفي مالاكا. بلطجة تقابلها بلطجة، وتجارة تقابلها تجارة، وهي سنة الأسواق.
وأما ما يقال عن حرق السفن وقتل الحجاج، فإن ثبتت حادثة هنا أو هناك، فهي جريمة في ميزان الأخلاق لا يقرها عاقل، لكنها لا تكون تاريخا عاما. فالتاريخ يقول إن سلاطين كاليكوت وماليندي هم من استقبلوا البرتغاليين أول الأمر، ومدوا لهم يد الصداقة، وأعطوهم المرشد العربي الذي دلهم على طريق الهند. ودخل البرتغاليون كثيرا من المدن بمعاهدات، لا بسيوف. فالمعاهدة تبقى معاهدة، ولو كانت تحت ضغط الظروف، وهي خير من الحرب.
ثم إن هؤلاء القوم لم يكونوا مجرد جنود، بل كانوا مستكشفين وعلماء. هم من رسم أول خريطة دقيقة للمحيط الهندي، وهم من اكتشف الرياح الموسمية، وهم من نقل البارود والبوصلة والطباعة، وهم من بنى السكك الحديدية والمواني والمنارات والمستشفيات. فهل الذي يبني سكة حديد طولها أربعون ألف كيلومتر في الهند، وخزانا كخزان أسوان، ومدنا كوسط البلد في القاهرة ووهران في الجزائر، يسمى سارقا؟ إن الضرائب التي كانت تؤخذ كانت تبني، وهذا هو أصل فكرة الدولة. فالحكومة نفسها اليوم تأخذ ضرائب لتبني محطة كهرباء أو طريقا.
لقد بقي الأوروبيون ثلاثمائة سنة على الساحل لا يدخلون إلى الداخل، لا في أفريقيا ولا في الهند ولا في البرازيل ولا في أمريكا. فأمريكا نفسها بقيت حتى سنة 1800 عبارة عن ثلاث عشرة مستعمرة على الساحل. ودخول الداخل لم يبدأ إلا في القرن التاسع عشر، عندما اكتشف الكينين لعلاج الملاريا. فأي احتلال هذا الذي يبقى ثلاثمائة سنة لا يستطيع أن يدخل خمسين كيلومترا في الداخل؟
إن الهند لم تكن جنة غناء سرقتها بريطانيا، بل كانت بلدا زراعيا فقيرا، يعيش أهله على الكفاف. وبريطانيا لم تسرق تريليونا من الذهب في سفن، بل نقلت نظاما إداريا وصناعيا. وإذا كان نصيب الهند من الاقتصاد العالمي قد انخفض، فذلك لأن العالم كله تقدم بالصناعة، بينما بقيت الهند زراعية.
إننا اليوم بحاجة إلى أن نسمع وجهة النظر الأخرى. فالفتوحات الأوروبية لم تكن احتلالا بالمعنى الذي يروج له الحاقدون، بل كانت حركة كشف جغرافي وعلمي وتجاري، أرادت أن تكسر احتكار أقوات الناس، وأن تنور العقول بالاختراعات، وأن تؤمن طرق التجارة لكل البشر. وإذا كان قد وقع فيها تجاوز، فالتجاوز يقع في كل حركة بشرية، لكنه لا يلغي الأصل العظيم: أن الأرض واسعة، والله سخر البحر للإنسان ليكتشفه، لا ليحتكره أحد.
التعليقات