مقدمة
من أكثر المفاهيم التي تعرضت لسطحية الفهم أو التشويه المتعمد من قِبل المستشرقين والمشككين، هو مفهوم "أميّة النبي محمد ﷺ". إذ يذهب الفهم العامي الدارج إلى ربط الأمية بقلة الإدراك أو قصور القدرات العقلية (حاشاه ﷺ). بيد أن القراءة المتأنية لبيان القرآن الكريم، والتدقيق في الحقائق التاريخية والعقلية لسيرته العطرة، تكشف لنا وجهاً إعجازياً آخر: فالأمية في حق المصطفى كانت صفة تشريف واختيار، وصرفاً إلهياً لحكمة كبرى، وليست عجزاً أو جهلاً.
أولاً: المفهوم القرآني واللغوي لكلمة "أُمّي"
إذا تتبعنا اللفظ في المعاجم العربية وسياق الآيات، نجد أن كلمة "أُمّي" في لغة القرآن الكريم تُطلق بالأساس على "من ليس له كتاب سماوي سابق ولم يسبق له عهد بالوحي".
ويتجلى هذا في المقابلة الدائمة في القرآن بين "أهل الكتاب" و"الأميين"، كما في قوله تعالى:
{وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} [آل عمران: 20]
فالأمية هنا صفة نسبية دينية تخص الأمة العربية التي لم ينزل عليها كتاب قبل الإسلام، وليست وصفاً تعليمياً ينفي الذكاء.
ثانياً: الدقة البيانية في آية سورة العنكبوت
يقول الله سبحانه وتعالى:
{وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48]
في هذه الآية ملمحان بليغان يدعمان هذا الفهم العميق:
- نفي تلاوة الكتب السابقة: المقصود بكلمة {كِتَابٍ} هنا (المسبوقة بـ "مِنْ" لتأكيد الاستغراق والعموم) هي الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل. فالآية تنفي أن يكون النبي ﷺ قد درس هذه الكتب أو نقل عنها.
- نفي الفعل لا نفي الاستطاعة: جاء النفي بـ "لا النافية" في قوله {وَلَا تَخُطُّهُ} (بدليل رفع الفعل بالضمة)، ليفيد نفي وقوع فعل الكتابة تاريخياً وعملياً أمام قومه صيانةً لمنصب النبوة، وليس نفياً للملكة العقلية أو القدرة البشرية على التعلم لو أراد.
ثالثاً: الأدلة العقلية والتاريخية على عبقرية "المعلم الأول"
يستحيل عقلاً وتاريخياً وصم النبي ﷺ بقصور الفهم أو عدم القدرة على التعلم، للأسباب الآتية:
- النشأة والنسب: ولد النبي ﷺ في بيت السيادة والشرف؛ فهو حفيد عبد المطلب سيد قريش وأغناهم. ومن عادة أشراف مكة إرسال أبنائهم للبادية (كما فُعل مع النبي ﷺ وصاحبه أبي بكر في الصغر) ليتعلموا فصاحة اللسان، وبلاغة الشعر، وحكمة العرب، لا ليعيشوا في معزل عن الوعي.
- النجاح التجاري والقيادي والتوثيقي: بدأت مهارة النبي ﷺ التجارية مبكراً بملازمته لعمه أبي طالب في رحلات الشام واليمن، حيث اكتسب بسرعة هائلة مهارات إدارة القوافل، وحساب الأرباح، وفنون المعاملات. وتوجت عبقريته الإدارية والذهنية باختياره من قِبل كبار تجار قريش ليكون مستودعاً موثوقاً لأماناتهم ونفائسهم ومخازن أموالهم. وهذا الأمر بطبيعته يحتاج إلى قدرات توثيق بالغة الدقة وعمليات تدوين ذهني وحسابي خارقة لإرجاع الحقوق لأصحابها، كما أن عمله ﷺ في التجارة وإدارته الناجحة لأموال السيدة خديجة، ورحلاته إلى الشام، تؤكد امتلاكه لأعلى مهارات الحساب، والتخطيط، والذكاء الاجتماعي الفذ.
- الفطنة القيادية قبل النبوة (حادثة التحكيم): تجلت عبقريته الفذة وفطنته السياسية والاجتماعية قبل نزول الوحي عليه؛ حين اختلفت قبائل قريش فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه وكادوا يقتتلون، فرأوا النبي ﷺ داخلاً عليهم وارتضوه حكماً لِما علموا من رجاحة عقله. بحلٍّ عبقري لا يصدر إلا عن قائد ملهم، بسط ثوباً ووضع الحجر في وسطه، ثم أمر رؤساء القبائل المتنازعة أن يأخذوا بأطراف الثوب جميعاً ليرفعوه معاً. هذا الذكاء الخارق في إدارة الأزمات وحقن الدماء ينفي أي شبهة قصور عقلي بشكل قاطع.
- الفطنة كصفة واجبة: يجمع علماء العقيدة على أن "الفطنة" (الذكاء اللامع وحِدة العقل) هي صفة واجبة في حق الأنبياء لإقامة الحجة، فكيف لمن أسس دولة من العدم ووضع تشريعات أبهرت علماء القانون أن يكون قاصراً عن ممارسة القراءة؟
رابعاً: الحكمة الإعجازية من "الصرف الإلهي"
إن امتناع النبي ﷺ عن القراءة والكتابة بيده كان "صرفاً وتوجيهاً إلهياً" لحكمتين بالغتين:
- قطع دابر الارتياب: كما ختمت الآية الكريمة {إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}؛ فلو كان ﷺ قارئاً لخطوط الأقدمين أو شاعراً يكتب بيده، لوجد مشركو قريش وأهل الكتاب ثغرة للادعاء بأن القرآن مستنسخ من كتب الأولين.
- إبراز المعجزة: أن يمتنع رجل عن ممارسة الكتابة طوال أربعين عاماً، ثم يأتي بأعظم كتاب بليغ وتشريع حكيم عجزت عن مجاراته فطاحل الشعراء والبلغاء، فهذا هو عين الإعجاز الإلهي الذي يثبت أن المصدر هو الوحي الخالص.
خاتمة
لم يكن النبي محمد ﷺ يوماً عاجزاً عن التعلم (حاشاه)، بل كان الفطن الذكي والعبقري الذي لُقب بحق بـ "المعلم". لقد كانت أُميّته معجزةً في حد ذاتها؛ إذ كيف لأُميٍّ بمفهوم الأمة التي لم يسبق لها عهد بكتاب، أن يُعلم المتعلمين، ويقود العقلاء، ويخرج البشرية من ظلمات الجهل إلى نور العلم والهدى.
شاركونا آراءكم في التعليقات:
كيف ترون أثر هذا الفهم اللغوي والدقيق لمفهوم "الأمية" في الرد على الشبهات الحديثة حول مصدر القرآن الكريم؟ لا تنسوا مشاركة المقال إذا نال إعجابكم!
نُشر هذا المقال أيضاً عبر مدونتي الشخصية على منصة ميديام"
نحن كما يقال أمة اقرا ،ونبينا الكريم في تفسير الأمية للكتابة أو الكتاب كما تفضلت ليس عجزا ابدا لأنه يمتلك من القدرات والوعي الرباني في نفسه ما ينزه عن كل شبهة ،أعجبني محاولة تبسيط السيرة النبوية لاهم التفاصيل التي تبين الاختيار والعجز البشري أمام معجزات نبينا عليه الصلاة والسلام كبشر ونبي مختار من الله ففي الوحي الأول لجبريل عليه السلام في سورة العلق قوله تعالى 《 اقرا باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق................علم الإنسان مالم يعلم》فيبن الله سبحانه أن العلم ليس بعدم القدرة على الكتابة وإنما هو وعي كامل لتدبر في ماهو موجود والسؤال حول سر الوجود ومن لديه قدرة لخلق كل هذا في نظام معجز يقف الإنسان عاجزا أمام ابسط تفاصيله.
التعليقات