يقف الفكر الفقهي الإسلامي المعاصر في مأزق بنيوي خانق؛ فهو من جهة يحاول قيادة مجتمعات تعيش تفاصيل القرن الحادي والعشرين، ومن جهة أخرى يصر على استمداد حلوله من آليات ومنظومات معرفية شُكلت في القرون الهجرية الأولى لمواجهة واقعه المعاش آنذاك. إن إشكالية المرجعية الفقهية لا تكمن في الدين كأبعاد روحية أو قيم أخلاقية مطلقة، بل في تحويل الفقه، وهو جهد بشري وتاريخي نسبي، إلى سلطة مطلقة عابرة للأزمنة، مما جعله العائق الأكبر أمام التطور والنهضة الحديثة.

البداية السليمة لتفكيك هذا العائق تبدأ من إدراك الخلط التاريخي بين الدين والفقه. الدين، في جوهره النظري، يمثل المبادئ الكلية والروحية، أما الفقه فهو قراءة عقول رجال زمن معين للنص الديني بهدف حل مشكلات عصرهم. عندما يُضفي الفكر التقليدي طابع القداسة على هذه القراءات البشرية كآراء الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، فإنه يقع في فخ تقديس التاريخ وأسر الحاضر في زنزانة الماضي. تصبح فتاوى كُتبت في عصر العبيد والإقطاع والخلافة الإمبراطورية حاكمة على واقع يحكمه منطق الدولة الحديثة، والمواطنة، وحقوق الإنسان، والاقتصاد الرقمي. هذا التقديس للمنتج البشري القديم نزع عن المجتمعات قدرتها على التشريع الذاتي وجعلها رهينة لوعي مات أصحابه منذ ألف عام.

هذا المأزق المرجعي أنتج عجزاً كاملاً عن مواجهة أسئلة العصر، وتحول الفقه من أداة تيسير إلى كابح للتطور في مجالات حيوية كبرى. ففي مجال السياسة والحكم، يعجز الفقه التقليدي عن استيعاب مفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المواطنة الكاملة والسيادة الشعبية وفصل السلطات. ما زال الفقه يحمل في جيناته تقسيم العالم إلى فسطاطين كدار الإسلام ودار الحرب، ويعتمد مفاهيم عتيقة كمنظومة أهل الذمة أو عقد البيعة والشورى غير المؤسسسية. إن غياب نظرية سياسية فقهية حديثة هو الذي يفتح الباب تلو الآخر أمام الأيديولوجيات المتطرفة التي تحاول إحياء نموذج الخلافة التاريخي الذي قُبر منطقياً وعملياً ولم يعد يملك مقومات البقاء.

كذلك يظهر المأزق الأخلاقي والإنساني في قضايا المرأة والحريات الفردية؛ إذ يعامل الفقه التقليدي المرأة من منظور دوني متأثر بالبنية الأبوية لعصر التدوين، فيقيد حريتها، ويبرر القوامة بمفهومها السلطوي، ويشرع التمييز في الحقوق والواجبات بناءً على الجنس. وحين تصطدم هذه المنظومة بالمواثيق الدولية وحقوق الإنسان، لا يجد الفقه وسيلة للدفاع عن نفسه إلا باتهام الحداثة بالتبعية للغرب، عوضاً عن مراجعة أدواته المعرفية. إن العدالة التي ينشدها الوعي البشري اليوم تجاوزت بمراحل سقف العدالة التي كان يتمثلها فقيه القرن الثالث الهجري، ومحاولة ليّ عنق الواقع ليتناسب مع النص الفقهي القديم هي جناية بحق الإنسان وتطوره.

إن التنوير الحقيقي لا يعني هدم التراث لمجرد الهدم، بل يعني أنسنة الفقه؛ أي إعادته إلى حجمه الطبيعي كمنتج بشري وتاريخي خاضع للنقد والتجاوز. المعرفة الفقهية الحالية مبنية على آلية القياس التي تعني إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة، وهي آلية قياسية تطلع دوماً إلى الخلف، وتفترض أن الكمال والمعيار يوجدان في الماضي، بينما التطور يقتضي النظر إلى الأمام نحو المستقبل والمصلحة الإنسانية المتجددة.

إذا أرادت المجتمعات أن تتحرر من حالة العطالة الحضارية، فإن الخطوة الأولى هي نزع الوصاية الفقهية عن الفضاء العام، وإعلان أن التشريع والقانون هما حق خالص لوعي الإنسان المعاصر وصندوق الاقتراع، وليس لدفاتر الماضي. إن حصر الدين في دائرته الروحية والأخلاقية، وتحرير العقل السياسي والقانوني من قيود الفقه القديم، ليس خياراً ترفياً، بل هو شرط الوجود الوحيد للمرور نحو سيناريو التقدم الحضاري، وبناء دولة الحق والقانون التي تعامل الإنسان كقيمة عليا بذاته، لا كنسخة مشوهة من سلف تاريخي غابر.