كثير من الناس تعودوا و تبرمجوا على العقلية و الذهنية التجارية [ اعطي و استقبل ] .. و إذا لم يستقبل يشعر بانزعاج و غضب شديد لأنه يشعر بأنه خسر شيئا .. لأن الناس تعودوا على أنه لو كان العطاء من طرف واحد فإنه سيحصل استنزاف لذلك الطرف و يختل الميزان .. و هم محقون في الحالة العادية الطبيعية التي فيها علاقات و مصالح متبادلة بين ( أشخاص مقتدرون بالغون سليمون صحيا و معنويا ) .. و لكن ماذا لو قلت أن هناك حالات استثنائية يجب أن يكون فيها العطاء من طرف واحد بل إن العدالة و الميزان الحقيقي يقتضي ذلك كالعلاقة بين ( الأم و رضيعها مثلا ) فلا يمكنها أن تقول رضيعي يجب أن يعطيني سعر الحليب و سعر الرعاية و سعر البامبرز و سعر الطعام و الأمن بل إن الأم ستنتظر إلى أن يكبر ذلك الرضيع و يرشد و يجد عملا و مالا و بعد سنوات و عقود عندما تعجز و تمرض ستذهب عنده و هي واثقة عارفة بأن ابنها قد نضج و هو قادر على العطاء و على تحمل مسؤليته و على تحمل مسؤوليتها .. و مع ذلك رغم عطاء الأم قد لا تتلقى استقبالا إذا كان ابنها معاقا أو مريضا أو يعاني تخلفا عقليا بل إنه يعيش حياته كلها معتمدا على الإستقبال من أمه و من واجبها الأخلاقي و قبل ذلك من ضميرها و حبها لإبنها أن تعطيه و تنفق عليه و تساعده على العيش و على الشعور بالحياة و إنجازها الوحيد هو أن تراه فرحا سعيدا رغم وضعه و عجزه و أن لا يشعر بأي نقص .. فهي تعيش مضحية كليا لأجله و تطمع في رضى الله عنها و إذا كانت مؤمنة و رحيمة ستفهم بأن ذلك الإبن هو امتحان إلهي سماوي يختبر و يمتحن إنسانيتها و روحها و ضميرها هل ستساعد ابنها أم سترميه و تتخلص منه و تعتبره عبئا و حملا يعيق استمتاعها بالحياة ؟ و المؤمنون بالله حقا يخافون تقلبات الزمن و الأقدار و يعرفون جيدا أن الخالق يراقب و يرى و يحاسب و لا ينسى أبدا .. و يعلم من ساعد الضعيف و من خذله و من كان يؤذيه و كلهم له جزاء
مثل هذه العلاقات الرحيمة و الإنسانية تجعل كثير جدا من الناس يشعرون بأنها غير عادلة في حقهم مع أنهم ملزمون إلهيا و شرعيا بالعطاء إلى المحتاج حتى لو لم يتلقوا استقبالا فوريا بل حتى و لو لم يتلقوا أي استقبال .. لأن الإستقبال الحقيقي الفطري الأصلي هو بيد الله و الخالق .. مثلما رزقك الله بالذرية و الزوجة و الأرض و المتاع و الأملاك و حرمهما من إنسان آخر لكي يبتليك به فهو قادر على تجريدك من كل شيء و نقلهم له .. لذلك إذا وضع الله أي محتاج بجوارك و في طريقك و تأكدت فعليا من أنه محتاج فإنه من واجبك و من شرفك أن تنقذه و تغنيه ممّا أغناك الله به .. فإن خذلته و لم تفعل فانتظر الرد من الله و العقاب و زوال البركة و العذاب الشديد .. و أيضا حين يأتي ذلك الزمن ستعرف بأن ميزان الله لا يخطئ أبدا .. بل الإنسان هو الذي يخطئ في حق نفسه بجهالته و حقارته و تشربه لأفكار سلبية لا يسعى لتطهيرها ..
أولا ليس كل الأشجار تثمر .. لذلك إذا كان الساقي يظن و ينتظر أن تثمر الشجرة بالثمار التي يتمناها هو .. و ليس بما هي عليه الشجرة .. فإنه ينتظر عن عبث .. عندما تغرس شجيرة ياسمين و أنت تظنها شجيرة تفاح فإنها بعد أن تكبر و تزهر فإنها ستثمر زهور فواحة بعطر الياسمين فإذا كانت هذه النتيجة و هذه الثمرة مخيبة لأمل الفلاح الغارس الذي غرس و كان ينتظر التفاح .. فإن الذنب ليس ذنب شجيرة الياسمين و ليس لأنه لم يسقي و يعتني جيدا .. بل إن السبب هو جهله بكونها شجيرة ياسمين و لم يخبره و لم يصحح له أحدا ظنه ذاك .. و أيضا عطاؤه لم يذهب سدى حتى شجرة الياسمين لها زهور و رائحة طيبة مغذية رائعة و نافعة حتى و إن كانت لا تؤكل .. لذلك لا يوجد ( شجيرة جشعة و شجيرة كريمة ) .. حتى الشجيرات التي لا تنمو بسهولة و لا تثمر أي شيء رغم العطاء و السقاء فإن دورها في الحياة كنبتة خضراء حية تحتاج الماء لم يتغير و لو كانت بلا معنى ما كانت لكي تخلق من الأساس .. و حتى لو لم تعطي للغارس ما يتوقعه فإن الماء الذي أعطاه هو استحقاقها و احتياجها .. و ليس خسارة له حتى و إن شعر بأنها خسارة .. و لا يجوز منع الماء و الإستحقاق بذريعة أن الشجيرة غير نافعة و لم تعطي للساقي ما يتوقعه .. و نحن هنا لا نتحدث عن الشجيرات فقط و أظن أن القصد قد وصلك
أرى أن هذا يطابق كلامي لذا سأختصر ولن أعيد التكرار في نفس الشي وأقول أجل هذا ما قلته بالفعل.. وعلى اي حال شكراً لجعلي أحصل على مثل هذا النقاش الهادف والبناء والممتع..لنحصل على نقاش كهذا مجدداً في وقت ما..
وأنا بالتأكيد أفهم أن المقصود ليس الشجيرات..
التعليقات