قف لحظة أمام هذا السؤال:
كيف تكون قطعة من القماش، ومعها بعض ألوان وريشة، تُباع بمئات الملايين من الدولارات؟
وكيف يقف إنسان أمامها صامتاً، وفي عينيه يشع بريق الجمال ، وهو لا يعرف من رسمها ولا في أي عصر وُلد صاحبها؟
هذا ليس مبالغةً. هذا ما يحدث فعلاً في متاحف العالم كل يوم.
لو سألتَ محاسباً لأجابك بثقة: إنها الندرة، والعمر، والشهرة.
لو سألتَ تاجراً لقال: إنها السوق، والمزادات، والأسماء الكبيرة.
لكنك لو وقفتَ أمام لوحة حقيقية، وأنصتَّ إلى ما يجري في داخلك، لأدركتَ أن الإجابة الحقيقية لا تسكن في الأرقام، بل تسكن في مكان أعمق من ذلك بكثير.
تسكن فيك أنت.
إذا كنتيجة هذا القماش لا يساوي شيئاً، والألوان هي الألوان
لماذا القماش الذي رُسمت عليه الموناليزا يساوي الكثير !؟
والألوان التي استخدمها ليوناردو كانت في متناول أي رسّام في عصره ،، بل إن كثيراً منهم رسموا على قماش أجود وبألوان أنفس.
لكن ليوناردو وحده هو من جلس أمام تلك المرأة، وأمضى سنوات يتأملها، ويسحب الضوء من وجهها بأنامل تعرف ما تفعل. وحين انتهى، لم يكن قد رسم وجهاً. كان قد أودع في تلك القطعة من القماش شيئاً لا اسم له، شيئاً يشبه الروح.
وهذا هو السر الأعظم فاللوحة العظيمة لا تحمل صورةً، بل تحمل روحاً.
وعند الوقوف أمامها سيكون هناك التقاء بين روحين عبر الزمن
فان غوخ رسم "ليلة مرصّعة بالنجوم" عام 1889، وهو يعيش في مصحة للأمراض النفسية جنوب فرنسا. كانت روحه تحترق، ولم يكن يملك من يسمعه. فأخذ ريشته وفعل الشيء الوحيد الذي يحسنه: صبّ كل ما في داخله على القماش. الاضطراب والدهشة والخوف والحب واتساع الكون وضآلة الإنسان أمامه، كل ذلك في لوحة واحدة.
مات فان غوخ ولم يبع في حياته سوى لوحة واحدة. لم يعرف أحد اسمه إلا بعد رحيله.
واليوم، يقف أمام تلك اللوحة ملايين البشر من كل لغة وجنس وعصر، ويصمتون. وفي صمتهم شيء يشبه الاعتراف. كأنهم يقولون لرجل مضى منذ مئة وخمسين عاماً: نعم، فهمتُ ما أردتَ قوله.
هذا ما لا تستطيع أي رسالة، ولا أي كتاب، ولا أي خطاب أن يفعله بهذه القوة: أن يجعل إنسانين يلتقيان عبر قرون، دون أن يتبادلا حرفاً واحداً.
اللوحة العظيمة جسر فوق الزمن.
لماذا تبدو ابتسامة الموناليزا مختلفة في كل مرة؟
لأنك في كل مرة تراها بشعور مختلف !!
هذا ليس كلاماً شاعرياً، بل هو حقيقة نفسية عميقة. اللوحة لا تتغير، لكنك حين تأتيها وأنت حزين ترى فيها شيئاً، وحين تأتيها وأنت في سلام ترى شيئاً آخر. الموناليزا لا تملك ابتسامة ثابتة في الحقيقة، بل تملك فراغاً ذكياً تملؤه أنت بما تحمل.
وهذا ما يجعل اللوحات الكبرى لا تشيخ أبداً.
لأنها لا تقول لك: "هذا هو المعنى."
بل تقول: "أخبرني أنت. ماذا ترى؟"
إنها أسئلة لا إجابات. وهذا بالذات ما يجعلها خالدة. لأن الإجابات تموت حين تُعرف، أما الأسئلة فتبقى حيّة ما بقي الفضول الإنساني.
حين يقف الناس أمام لوحة فنية ، لا يحتاجون مترجماً. لا تتحرك شفاههم، لكن شيئاً ما يتحرك في داخل كل واحد منهم، في اللحظة ذاتها، وبالطريقة ذاتها تقريباً. لأن الإنسانية، في أعماقها، لغة واحدة حين تكون صادقة.
وعندما تقف أمام لوحة عظيمة كأنها تقول: أنا لا أتكلم .. لأُسمع. ( أنا أنتظر من يُنصت.)
القيمة إذا ليس ثمن القماش ولا الألوان. هو قيمة اللحظة التي تجعل الإنسان يشعر أنه ليس وحيداً في هذا الكون. ثمن الدليل على أن إنساناً آخر، قبله بقرون، جلس في غرفة وأضاء شمعةً في مواجهة الظلام، وانتصر.
والناس يدفعون للانتصارات. يدفعون لما يُثبت لهم أن الجمال حقيقي، وأن الحياة تستحق، وأن ما يصنعه الإنسان بصدق وعشق لا يذهب هباءً. وهذا، في أبهى صوره، ليس سوقاً ولا مزاداً. هو شوق إنساني قديم قِدَم الإنسان نفسه: أن يُثبت أنه كان هنا، وأن مروره على هذه الأرض ترك أثراً.
ربما لا تجد نفسك يوماً أمام لوحة في متحف عريق. لكنك بالتأكيد مررتَ بلحظة أوقفت فيها خطاك، حين رأيت منظراً أشعل في صدرك شيئاً لا تجد له اسماً، أو حين استمعتَ لجملة موسيقية جعلت الزمن يتوقف لثانية واحدة، أو حين نظرتَ في عين شخص تحبه ووجدتَ فيها عالماً بأكمله.
في تلك اللحظة، أنت تفهم سر اللوحات العظيمة من الداخل، دون أن تحتاج إلى أحد ليشرح لك شيئاً.
الجمال الحقيقي لا يُشرح بل
التعليقات