هناك ظاهرة باتت غريبة، وهي أن أمر من أمام شخص في الشارع فأجد كاميرا هاتفه مفتوحة، وأنا أظهر في الصورة، وكأن الأمر عادي. أو شخصان يلتقطان سليفى للذكرى لكنهما سيلتقطاني معهما في الصورة وأنا أِشتري غرضًا من محل، ثم ينشران هذه الصورة على منصات التواصل.

البعض قد يرى أنني أبالغ في انزعاجي، ولكن هذه في نظري استباحة للمساحات المشتركة التي علينا احترامها، وانتهاكًا لحق الطريق؛ فلقد تآكلت الحدود الفاصلة بين العام والخاص، وتحولت الشوارع والأسواق والمقاهي إلى استديوهات مفتوحة للتصوير المستمر. المشكلة الأكبر هي في التطبيع المفرط مع هذا، إذ يفترض الكثيرون أن مجرد تواجدك في مكان عام يُسقط عنك تلقائيًا حقك في الاعتراض على توثيق ملامحك أو لحظاتك العابرة.

أمّا مهووسو التوثيق الرقمي فحجتهم أن هذا التداخل أمر حتمي لا مفر منه في المدن المكتظة، وأن نواياهم بريئة وتستهدف تخليد اللحظة الشخصية لا اقتحام خصوصية المارة. لكن هذا التبرير السطحي تجاهل الأثر النفسي المزعج المترتب على سلب الإنسان حقه في أن يمر بسلام دون أن يُسجل، وما قد يسببه نشر تلك الصور من حرج أو استغلال في سياقات أو ميمز ساخرة لا تمت للواقع بصلة، وكم رأينا ذلك.